(قال الفقيه) أبو الليث رحمه الله: اختلفوا في حذف بسم الله الرحمن الرحيم في أول سورة براءة. وقال بعضهم: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه القرآن أملاه على كاتب يكتبه، فلما أملى عليه سورة براءة نسي الكاتب كتابة بسم الله الرحمن الرحيم، فبقيت هذه بغير بسملة، وقال بعضهم: براءة نزلت لنقض العهد الذي كان بين المسلمين وبين الكفار، فلم تكتب بسم الله الرحمن الرحيم لأن في كتابة بسم الله أمانًا لهم فتركت كتابتها لكي لا تكون أمانا. وأصح الأقاويل عندي ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: سألت عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه عن ذلك فقال: سورة الأنفال نزلت أول ما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، وسورة التوبة نزلت آخر القرآن، وقصتها يشبه بعضها بعضًا، ولم يبين لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاشتبه علينا أمرهما أنهما سورتان أم لا؟ ففصلنا بينهما وتركنا كتابة بسم الله الرحمن الرحيم. وقد روي عن علي رضي الله تعالى عنه أنه سئل عن ذلك فقال: لأنها نزلت بالسيف: يعني لنقض العهد.
الباب الحادي والعشرون: في قراءة النبي صلى الله عليه وسلم القرآن على أبي بن كعب
(قال الفقيه) أبو الليث رحمه الله: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ القرآن على أبي بن كعب فتكلم الناس في ذلك فقال بعضهم: إنما قرأ عليه القرآن ليعلم الناس التواضع لئلا يأنف أحد من التعلم والقراءة على من دونه في المنزلة، وقال بعضهم: إنما قرأ عليه لأن أبي بن كعب كان أسرع أخذًا لألفاظ النبي صلى الله عليه وسلم فأراد النبي صلى الله عليه وسلم بقراءته عليه أن يأخذ أبي بن كعب ألفاظ رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقرأ كما سمع منه ويعلم غيره. وعن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بن كعب: (( إن الله تعالى أمرني أن أقرأ عليك القرآن، قال: الله سماني؟ قال: نعم، فبكى ) )ويروى (( أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ عليه {لم يكن الذين كفروا} وقال صلى الله عليه وسلم لأبي بن كعب إن الله أمرني أن أقرأ عليك {لم يكن الذين كفروا} الحديث. أما بكاؤه فبكاء سرور واستصغار لنفسه عن تأهيله لهذه النعمة وإعطائه هذه المنزلة والنعمة فيها من وجهين. أحدهما: لكونه منصوصًا عليه بعينه ولهذا قال وسماني معناه نص على تعييني، أو قال اقرأ على واحد من أصحابك قال بل سماك فتزايدت النعماء. والثاني قراءة النبي صلى الله عليه وسلم عليه فإنها منقبة عظيمة له لم يشاركه فيها أحد من الناس، وقيل إنما بكى خوفًا من تقصيره في شكر هذه النعمة. وأما تخصيصه بهذه السورة بالقراءة فلأنها مع وجازتها جامعة لأصول وقواعد ومهمات، وكان الحال يقتضي الاختصار. وأما الحكمة في أمره تعالى بالقراءة على أبي فهو أن يتعلم: أي ألفاظه وصيغة أدائه ومواضع الوقوف وضبط النغم، فإن نغمات القرآن على أسلوب ألفه الشرع وقدره بخلاف ما سواه من النغم المستعملة في غيره، ولكل ضرب من النغم أثر مخصوص في النفوس، فكانت القراءة عليه ليعلمه لا ليتعلم منه. وقيل: قرأ عليه ليبين عرض القرآن على حفاظه البارعين