للمتعلم أن يعظم أستاذه فإن تعظيمه يظهر فيه بركة العلم، وإذا استخف به ذهبت عنه بركة العلم: وينبغي للمتعلم أن يداري الناس لأنه يقال خير الناس من يداري وشر الناس من يماري. ويقال إنما ينتفع المتعلم بكلام العالم إذا كان في المتعلم ثلاث خصال: التواضع في نفسه، والحرص على التعلم، والتعظيم بالعالم. فبتواضعه ينجع فيه العلم، وبحرصه يستخرج العلم، وبتعظيمه يستعطف العلماء.
(قال الفقيه) أبو الليث رحمه الله تعالى: اختلف الناس في قبول القضاء: قال بعضهم: لا ينبغي أن يقبل القضاء، وقال بعضهم: إذا ولي بغير طلب منه فلا بأس بأن يقبل إذا كان يصلح لذلك الأمر، وهذا قول أصحابنا: أما من كره ذلك فاحتج بما روت عائشة رضي الله تعالى عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (( يجاء بقاضي العدل يوم القيامة فيلقى من شدة الحساب ما يود أن لم يكن قضى بين اثنين ) )وروى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (( من جعل قاضيًا فكأنما ذبح بغير سكين ) )وروى شريك عن الحسن البصري قال: كانت بنو إسرائيل إذا استقضى الرجل منهم أيس له به من النبوة. وروى أبو أيوب قال: دعي أبو قلابة للقضاء فهرب حتى أتى الشام فوافق ذلك عزل قاضيها، فهرب واختفى حتى أتى اليمامة فلقيته بعد ذلك فقال: ما وجدت مثل القضاء إلا كمثل سابح في البحر فلم يحسن أن يسبح حتى غرق. وروي عن سفيان الثوري أنه دعي إلى القضاء فهرب إلى البصرة واختفى، فبعث أمير المؤمنين في طلبه فلم يقدروا عليه فمات وهو متوار، وروي عن أبي حنيفة رحمه الله أنه ابتلي بالضرب والحبس فلم يقبل حتى مات: وأما حجة من قال بأنه لا بأس به فما روي عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( من أراد القضاء وسأل عليه الشفعاء وكل إلى نفسه، ومن أكره عليه نزل عليه ملك يسدده ) )وعن الحسن أنه قال: كان يقال لأجر حكم عدل يومًا واحدًا أفضل من أجر رجل يصلي في بيته سبعين سنة. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لعبد الرحمن بن سمرة (( لا تسأل الإمارة فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها ) )وروي عن أبي موسى الأشعري أن رجلين دخلا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وسألاه فقالا استعملنا على بعض أعمالك فإن عندنا خيرًا وأمانة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم إنا لا نستعمل على عملنا من أراده وطلبه )) .
الباب السادس عشر: في آداب القاضي
(قال الفقيه) أبو الليث رحمه الله: ينبغي للقاضي أن يسوي بين الخصمين في المجلس والنظر وفي غيره كما جاء في الأثر. روت أم سلمة رضي الله تعالى عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (( إذا ابتلي أحدكم بالقضاء فليسو بين الخصمين في المجلس والإشارة والنظر ولا يرفع صوته على أحد الخصمين أكثر مما على الآخر، وينبغي للقاضي أن يكون في قضائه فارغ القلب ) )وقد روى أبو سعيد الخدري رضي الله