يخوضون في أمر الدنيا فإنهم يفسدون على الرجل قلبه ودينه وعيشه، وإذا استغنيت عن دخول السوق فأقلل الدخول فيها فإنه يقال فيها مردة الشياطين من الإنس، ويقال فيها ذئاب عليها ثياب. ويستحب للرجل إذا دخل السوق أن يقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير. فإنه روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال (( من قال ذلك فله بكل عدد من في السوق عشر حسنات ) ).
(قال الفقيه) رحمه الله: لا ينبغي للرجل أن يشتغل بالتجارة ما لم يعلم أحكام البيع والشراء ما يجوز وما لا يجوز. روي عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه قال: لا يبيعن في أسواقنا من لم يتفقه في الدين. وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أنه قال: من اتجر قبل أن يتفقه في الدين فقد ارتطم في الربا ثم ارتطم ثم ارتطم. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( رحم الله امرأ سهل البيع سهل الشراء سهل القضاء سهل التقاضي ) )وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( من أنظر معسرًا أو وضع عنه أظله الله تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله ) )وروي عن محمد بن السماك أنه كان يدخل السوق ويقول: يا أهل السوق سوقكم كاسدة، وبيوعكم فاسدة، وجيرانكم حاسدة، ومأواكم النار الموقدة: يعني إذا كان التاجر جاهلًا ولا يحترز عن الربا، وأما إذا كان التاجر قد تعلم الفقه وكان نقيًا في حال تجارته فهو في الجهاد لأنه روي في الخبر أن كسب الحلال أفضل الجهاد. وقال قتادة: بلغنا أن التاجر الصدوق تحت ظل العرش يوم القيامة. وإذا باع الرجل شيئًا أو اشترى فندم صاحبه فطلب منه الإقالة فينبغي أن يقيل عثرته لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( من أقال نادمًا بيعته أقال الله عثرته يوم القيامة ) )وعن أبي حنيفة رحمه الله تعالى أنه باع من رجل خزًا فندم المشتري فجاء إليه فطلب الإقالة فأقاله البيع، ثم قال أبو حنيفة لخادمه: قم وارفع الثياب حتى تذهب إلى المنزل فما كان حاجتي إلى البيع والشراء إلا لكي أدخل تحت قوله صلى الله عليه وسلم (( من أقال نادمًا أقال الله تعالى عثرته يوم القيامة ) )وقد دخلت الآن تحت قوله صلى الله عليه وسلم (( وإذا اشتريت من السوق فقال لك صاحبك قبل الشراء ذقه وأنت في حل فلا تأكل منه ) )لأن إذنه بالأكل لأجل الشراء فربما لا يتفق بينكما بيع فيكون ذلك الأكل شبهة، ولكن لو وصفه لك فاشتريته فلم تجده على تلك الصفة فأنت بالخيار. ويكره للتاجر أن يحلف لأجل ترويج السلعة. ويكره أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم في عرض سلعته وهو أن يقول صلى الله عليه وسلم ما أجود هذا. ويستحب للتاجر أن لا تشغله تجارته عن أداء الفرائض فإذا جاء وقت الصلاة ينبغي أن يترك تجارته حتى يكون من أهل هذه الآية {رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة} إلى قوله {ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله} ثم اختلفوا فيهم، فقال بعضهم: هم الذين تركوا التجارة واشتغلوا بالعبادة مثل أصحاب الصفة ومن كان مثل حالهم، وقال بعضهم: هم الذين يتجرون ولا