الصفحة 109 من 123

ومن صور بر الوالدين الطريف قصةِ ابن عمر والأعرابي، كان الصحابي الجليل عبدُ الله بنُ عمر يطوف حول البيت فإذا بأعرابي يطوف وهو يحمل أمه وراء ظهره، فرحا مسرورا، وينشد في طوافه

إني لها بعيرها المذللْ إن أُذعرت ركابها لم أُذْعر

ثم قال يا ابن عمر أتُراني جزيتها قال لا ولا بزفرة واحدة"أي من زفرات الطلق"

ونقل أبو العلاء الأبيات بقوله

أَحْمِلُ أُمِّي وهيَ الحَمَّالَهْ

تُرضِعُني الدِّرَّةَ والعُلاَلَه

أَنا لها بعيرُها المذلَّلْ أَحمِلُها وحملتْني أَكثر.

ومن أدعية القرآن للبر بالوالدين (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا) (نوح:28)

أيها المحبُ اسمع قوله سبحانه (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا) فتأمل كيف أوصى الوالدين إحسانا ثم عادَ ونبه إلى مزيدٍ من الرعايةِ عند الكبَرِ فقال إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (الاسراء:23) حق الوالدين حق عظيم، يزداد عظمه ويتأكد عند كبرهما لحاجتهما، حيث يتعرضان للأمراضِ المزمنة من ارتفاع ضغط الدم، أو ارتفاع السكر في الدم وما يصاحبه من نوبات هبوطِ وارتفاع وكل ذلك يؤدي إلى سرعة غضب الكبارِ ورقة مشاعرهما بحيث يحتاج الكبارُ من الأسرة إلى رعاية خاصة طبيًا ونفسيًا.

مع مرور الأيام تزدادُ حاجة الوالدين للرعاية، ترقُ مشاعرُهما، فلا يصحُ أن نجرحَهُما بالكلمة، أو التأفف أو تقطيب الجبين إذا طلبا أمرًا، بل يجبُ أن نبديَ لهما كل رضا وسعادة في أننا نلبي لهما ما يرغبان، فتلبية رغاباتهما هي مصدر سعادة لنا لأنها سببٌ لرضا الله تعالى، عن عبد الله بن عمر، قال:"رضا الرب في رضا الوالد، وسخَط الرب في سخط الوالد"؛ [1] فإذا طلبَ منك والدك أمرًا لاتقل: إني مشغول، ومشاغلي كثيرة، لأن هذا يجرحُ مشاعرَ الوالدين، بل أظهر الرضا بأن تخدمهما، واسمع قوله تعالى (وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا) (الاسراء:24) فامنع عنهما لسان البذاءة ولو بالهنات

(1) رواه الترمذي: كتاب البر: باب ما جاء في فضل رضا الوالدين، برقم (1899) وهو حديث حسن موقوفا عن ابن عمر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت