الصفحة 13 من 123

كلا، فهؤلاء الحجيج هم دعوة إبراهيم هم ثمارُ جهاد أصحاب رسول الله، إن هذه الدعوةَ لها منطقُ الشمسِ وتاريخُ الجداولِ ولها طبعُ الزلازلِ. تنظر حولك وعن يمينك وشمالك، العربُ هنا، والترك هنا، و البيض هنا، والسود هنا، والكل هنا؛ وخفقات قلبهم تقول:

أضحى الإسلامُ لنا دينا ... وجميعُ الكون لنا وطنا

الجمع ألوفٌ وألوفُ والكلُ ضيوف، ضيوفُ الرحمن لنيل عفوهِ وفضلِه.

ولو أصغيتَ إلى صخورِ مكةَ لسمعتها تخاطبُك برجع نداء الصحابة الأبطال الذين بذلوا وما وهنوا:

وعلى الصخور السود رجع ... ندائهم يا آبها بالموت لستُ بآبه

ماذا كان سلاحُ إبراهيم في وجه قومه؟

كان سلاحُه الكلمةَ، وانتصرت الكلمةُ، أرأيتَ كم أنتَ قويٌ ما دمت تملك كلمة الحق! فكن شجاعا وانطق بها. وكن قويا وانطلق بها.

بُعَيدَ الطوافِ، والصلاةِ عند مَقام إبراهيم تتوجه نحو الصفا، تواجهك قبابُ المسجد الحرام بشموخها، تذكرك بالقباب والقمم من أصحاب سول الله: وربما تذكر لك قصة قبابٍ مثلِها وأكثرَ شموخا، تُذكِّرُكَ بأبي بكرٍ وما بذلَ، وحمزةَ إذ وقَفَ في وجه أبي جهل صائحًا في وجهه:"أتضرب ابن أخي وأنا على دينه"وبالفاروق يصدعُ بالحق في وجه الظالمين"من أحب أن تثكلَه أمه فليتبعني إلى بطن هذا الوادي"وتذكر قول الشاعر:

ليست قبابًا ما رأيتَ وإنما ... مجدًا تطاول فاستحال قبابًا

وفي بداية السعي تسير إلى الصفا وتختم بالمروة شوطا ثم من المروة إلى الصفا شوطا آخر ومع السعي تذكر أمنا هاجر وموقف المرأة المؤمنة تخاطب زوجها وقد أسكنها بواد غير زرع أين تتركنا؟ فيسكت، ولا يجيب تكرر السؤال فلا تسمع جوابًا، ثم تقول: هو أمرك

قال نعم، قالت: إذن لا يضيعنا""

وبعد أن تختم الطواف تنهي أعمال العمرة إن كنت متمتعًا ثم تتوجه في الثامن من ذي الحجة إلى منى ثم إلى عرفة في التاسع حيث يباهي الله بأهل عرفة ملائكته: هؤلاء عبادي أتوني شعثًا غبرا أتوني من كل فج عميق اشهدوا بأن قد غفرت لهم [1] ""

مهما بدت ذنوبك عظيمة فإن بابَ اللهِ الذي لا يُرَدُ بابُ الافتقارِ، وبابُ الاضطرارِ

(1) -رواه أحمد في المسند عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله عزّ وجلّ ليباهي الملائكة بأهل عرفات يقول: انظروا إلى عبادي شعثًا غبرًا» برقم (7069) 2>448.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت