الصفحة 21 من 123

ومن مظاهر عظمته صلوات الله وسلامه عليه انتصاره على الإغراءات ومنها: إغراءُ الزعامة، وإغراء المال، ُ وإغراءُ الأمن الشخصي يوم تزوغ الأبصار في لقاء الأهوال، وإغراء الفرادة والقداسة أمام مدح المادحين، وإغراء الثأر إذ مكنه الله من عدوه، على ما نعرضه فيما هو آت:

مواجهة إغراء الزعامة:

حبُ الزعامةِ والجاه مما تطمح إليه النفوس، و يشتد الطلب في سبيلها حتى إن كثيرًا من الصراعات منشؤها التنافس على الزعامة كما في الحديث «مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرْسِلاَ في غَنَمِ بِأَفْسَدَ لهَا مِنْ حِرْصِ الْمَرءِ عَلَى الْمَالِ وَالشَّرَفِ _أي الزعامة والجاه _ لِدِيِنِه» أخرجه الترمذي وقال هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ [1] .

روى ابن كثير في البداية والنهاية عن ابن إسحاق قال: اجتمع أشراف من قريش _وعدَّد أسماءهم _بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة، فقال بعضهم لبعض: ابعثوا إلى محمد فكلموه وخاصموه حتى تعذروا فيه، فبعثوا إليه أن أشرافَ قومك قد اجتمعوا لك ليكلموك، فجاءهم _رسول الله صلى الله عليه وسلم_ سريعًا وهو يظن أنه قد بدا لهم في أمرهم بدء، وكان حريصًا يحب رشدهم ويعز عليه عنتهم حتى جلس إليهم، فقالوا: يا محمد إنا قد بعثنا إليك لنعذر فيك، وإنا والله لا نعلم رجلًا من العرب أدخل على قومه ما أدخلت على قومك، لقد شتمت الآباء، وعِبتَ الدينَ، وسفهت الأحلامَ، وشتمت الآلهةَ، وفرقت الجماعةَ، وما بقي من قبيح إلا وقد جئته فيما بيننا وبينك، فان كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت إنما تطلب الشرفَ فينا سودناك علينا، وإن كنت تريد ملكًا ملكناك، وإن كان هذا الذي يأتيك بما يأتيك أمرًا تراه قد غلب عليك بذلنا أموالنا في طلب الطب حتى نبرئك منه أو نعذر فيك.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ما بي ما تقولون ما جئتكم بما جئتكم به أطلب أموالَكم ولا الشرفَ فيكم ولا الملكَ عليكم، ولكن اللهَ بعثني إليكم رسولًا، وأنزل علي كتابًا، وأمرني أن أكون لكم بشيرًا نذيرًا، فبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم، فان تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم من الدنيا والآخرة، وإن تردوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم" [2] .

(1) - أخرجه الترمذي في سننه، كتاب الزهد، ج:7: 77 حديث (2416) من حديث كعب بن مالك الأنصاري.

(2) - البداية والنهاية ج: 3: 50

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت