تأمل أخي في صبره صلى الله عليه وسلم وهو يقول: فإن تقبلوا مني فهو حظكم من الدنيا والآخرة، وإن تردوه علي أصبر لأمر الله"."
لقد صبر رسول الله على أمر الله واستمر في دعوته فنال بشرى الصابرين.
ومما يروى أيضا ـ كما قال ابن اسحاق ـ أن قريشا قالوا لأبي طالب هذه المقالة، فبعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: يا ابن أخي إن قومك قد جاءوني فقالوا كذا وكذا الذي قالوا له، فابق علي وعلى نفسك ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق، قال: فظن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قد بدا لعمه فيه بُدُو_ٌ أي سيغير موقفه_، وأنه خاذلُه ومسلِمُه، وانه قد ضعُفَ عن نصرته والقيامِ معه، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"يا عم والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته"، قال: ثم استعبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكى، ثم قام، فلما ولى ناداه أبو طالب فقال: أقبل يا ابن أخي، فأقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: اذهب يا ابن أخي قل ما أحببت، فوالله لا أسْلمتُكَ لشيء أبدا [1] .والرسول في قوله:"والله لو وضعوا الشمس في يميني و القمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر ما تركته"يقدم للدنيا معنى جديدًا، وهو أن الدنيا بما فيها لا تساوى بالدعوة إلى الله تعالى، هذا الموقف من التنزه عن المنصب وإغراءاته نموذجٌ للتعالي عن قيد الأغيار ورقِ الآثار ومن التعلق بحظ النفس والارتقاء من ظلمة الوجود إلى فضاء الشهود.
إن كثيرًا من الناس يتراجعون عن مبادئهم أمام الإغراءات المادية لكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يسل ريقُه لمطمع دنيوي ولا لزعامة تعرض عليه، اختار أن يبلغ كلمة ربه فأكرمه الله تعالى بما لم ينله زعيم في الدنيا وآتاه عزًا لا يفنى وصدق الله العظيم {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ} (فاطر:10)
الانتصار على إغراء الأمن الشخصي:
لما اشتد أذى كفار قريش فكر في حماية أصحابه، فكانت الهجرة إلى الحبشة، ولم يكن رسولُ الله أول مهاجر بل لم يهاجر أصلًا بقي في وسط الأحداث يواجه تهديدهم، ولما كانت الهجرة الثانية كان آخر المهاجرين بقي في وجه الأخطار حتى أذن الله له بالخروج.
من مظاهر عظمته صلوات الله وسلامه عليه انتصاره على إغراء المال:
(1) - (البداية والنهاية ج: 3: 48)