الصفحة 83 من 123

" [1] وأهاده الرشيد يوما صرة من ذهب، فلما فتح خزانته وجد كِسرتين من خبز، فرد الصرة وقال: إن غني، لا حاجة لي بها."

وقد عبر الإمام الشافعي عن لذة المعرفة فقال:

سهري لتنقيح العلوم ألذ لي ... من وصل غانية وطيب عِناق

وتمايلي طربًا لحل عويصة ... أشهى وأحلى من مُدامة ساقي

وصرير أقلامي على أوراقها ... أحلى من الدوكاه والعشاق

وألذ من نقر الفتاة لدفها ... نقري لأُلقي الرمل عن أوراقي

أأبيت سهران الدجى وتبيته ... نومًا وتبغي بعد ذاك لحاقي [2] .

والناس في طلب العلوم والإفادة منها متفاوتون في الدرجات، ففي الحديث: عَنْ أَبِي مُوسَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:"إِنَّ مَثَلَ مَا بَعَثَنِيَ اللَّهُ بِهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ الْهُدَى وَالْعِلْمِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَصَابَ أَرْضًا فَكَانَتْ مِنْهَا طَائِفَةٌ طَيِّبَةٌ قَبِلَتْ الْمَاءَ فَأَنْبَتَتْ الْكَلَأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ وَكَانَ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَتْ الْمَاءَ فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ فَشَرِبُوا مِنْهَا وَسَقَوْا وَرَعَوْا وَأَصَابَ طَائِفَةً مِنْهَا أُخْرَى إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لَا تُمْسِكُ مَاءً وَلَا تُنْبِتُ كَلَأً فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللَّهِ وَنَفَعَهُ بِمَا بَعَثَنِيَ اللَّهُ بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ." [3] متفق عليه.

فأكمل الأحوال لأهل العلم أن يكونوا كالأرض التي تأخذ ما يأتيها من ماء السماء فتخرج من خيرات الأرض، وكذا العالم يتلقى هدي السماء فيعم بخيره عبادَ الله تعالى، بعضُ الناس يكون فضله بنقل العلم وتبليغه فينتفع به الناس أكثر من انتفاعه هو نفسه، ولكن له الأجر وقوم يأخذون العلوم فيحجبونها عن الناس فهؤلاء كالأرض التي لا تمسك ماء ولا تنبت كلأً.

والعلم سبب لخير الدنيا فضلًا عن الآخرة، فالعلم نوع من الاستثمار ترفع بالعلم قدراتك المالية وتزيد من قدراتك العقلية، وتحسن مستقبل أولادك.

يروى أن أول مؤسس لشركة تأجير السيارات السياحية كان في بداية حياته سائقَ سيارة عمومية فاشترى يوما قاموسًا من إحدى المحلات التي تبيع الكتب القديمة كلَ كتاب بدولار، وأخذ يقرأ من القاموس في أوقات الفراغ فقرأ أفكارًا في الاقتصاد والسياسة بما وسَع من قدراته، وارتقى

(1) أبو غدة: عبد الفتاح: صفحات من صبر العلماء

(2) : رويت هذه الأبيات في ديوان الشافعي ونسبها إلى الزمخشري الشيخ أبو غدة وهي مطبوعة في آخر تفسير الكشاف الطبعة البولاقية أنظر كتاب عشاق الكتب عبدالرحمن الفرحان دار البشائر ط2002ص:245.

(3) -رواه البخاري في صحيحه كتاب العلم باب فضل من علم وعلم برقم (79) وأخرجه مسلم في الصحيح كتاب الفضائل باب بيان مثل ما بعث به النبي صلى الله عليه وسلم من الهدى برقم (5906) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت