فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 121

يظهر من خلال استقراء نصوص الوحي والنظر في معطيات حركة الحياة أن الطبيعة التي خلق الله عليها العلاقة بين المعسكرين هي الصراع .. الصراع في معناه الواسع الذي لا ينحصر في الحرب، وإنما يمتد ليشمل كل ألوان التدافع بين المؤمنين والكافرين، سواء كانت في شكل صراع فكري يتجسد في حوار هادئ {قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ} [الكهف:37] ، أو في الجدال بالحسنى، {وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل:125] ، أو كانت في شكل عراك وخصام بين الطرفين، {فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ} [النمل:45] ، أو كانت في شكل حرب ساخنة بين المعسكرين، {وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُم} [البقرة:217] .. سواء كانت في هذه الأشكال أو في غيرها فإن الصراع هو الصراع، لا يكاد يهدأ في أحد أشكاله حتى يقوم في شكل آخر!!

ويستند هذا الصراع في وجوده إلى العدواة المستحكمة بين المعسكرين، {إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا} [النساء:101] ، أي أن هذا العداء ليس حالة عرضية خاضعة لاعتبارات شخصية، أو مواقف مؤقتة لا يتحكم فيها إلاّّ ميزان المصلحة والمفسدة الدنيوية، وإنما هي هيئة راسخة في نفوس الكافرين اتجاه المسلمين، يقابلها بشكل تلقائي عداء من المسلمين اتجاه الكافرين، {لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَه} [المجادلة:22] .

ولكي تكتمل صورة الأسباب الحقيقية للصراع الموجود بين المعسكرين لابد من استحضار طبيعة العلاقة بين الحق والباطل، فالحق لابد أن يتحرك لإثبات ذاته، ولا يكون ذلك إلاّ بزوال الباطل، فهما شيئان متناقضان لا يوجد أحدهما إلاّ بانتفاء الآخر، {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِل} [الإسراء:81] ، وحتى إذا لم يتحرك الحق فإن الباطل سوف يتحرك لأنه لا يطيق وجود غريمه بجانبه، وهذه بالذات هي طبيعة العلاقة بين المؤمنين والكافرين، {ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ} [محمد:3] .

فالعداوة القائمة بين المعسكرين والطبيعة الراسخة لعلاقة الحق بالباطل هي المحركات الأساسية للصراع، ونحن عندما نقرر أن هذه هي طبيعة العلاقة لا نزيد على أننا نعرض الواقع كما هو، أي كما خلقه الله، بعيدا عن الأحلام الوردية، وبعيدا عن الأفكار الخيالية، والمطلوب هو أن نواجه الحياة كما هي، من غير أي محاولة لتغييب الحقائق القدرية لأنها محاولة تؤدي إلى ظهور الباطل وانتشار الفساد، {وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْض} [البقرة:251] .

وفي سياق هذا الصراع الممتد امتداد الحياة البشرية جاءت غزوة نيويورك وواشنطن، لتكون شكلا من أشكاله، وواحدة من تجلياته، تتجسد بها الحقيقة القدرية، وتستجيب بها الجماعة المسلمة للإرادة الشرعية، لأن الإسلام يدعو إلى ضرورة مجاهدة العدو، والاستعلاء عن الاستسلام له أو الرضوخ لإرادته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت