وقال بعضُ أئمَّةِ البغدادِيِّين (١) : العدالَةُ عبارةٌ عن استقامَةِ السِّيرةِ والدِّينِ، ويرجعُ حاصِلُها إلى هيئةٍ راسخةٍ في النَّفسِ تَحمِلُ على مُلازمَةِ التَّقوى والمُروءَةِ جميعًا، قال: وقَدْ شُرِطَ في العَدَالَةِ التَّوَقِّي عن بَعْضِ المُبَاحَاتِ القَادِحةُ في المُرُوءَةِ: نَحْوَ الْأَكْلِ في / الطُّرقِ، وَالبَوْلِ في الشَّارِعِ، وَصُحْبَةِ الأَرَاذِلِ، وَإِفْرَاطِ المِزَاحِ.
وقال القَاضِي أبُو بكرٍ ابن الطَّيِّبِ (٢) في صِفاتِ العدْلِ: تَجنُّبُ ما يُمرِضُ القُلُوبَ، وَيُورثُ التُّهمَ فيمَا جلَّ وَقلَّ.
قال: ومِنْ علمائِنَا مَنْ صَارَ إلى أنَّ عدمَ التَّوَقِّي عن المُبَاحَاتِ القَادحةِ في المُروءَةِ: كالجُلوسِ على الطُّرقاتِ، والأكلِ في الأسواقِ، ومُصاحبةِ الأرذالِ، / والإكثارِ مِنَ المُداعبةِ، يقدحُ في العَدالةِ، قال: ولا أقطعُ بذَلِك، وعِندِي أنَّ ذلِك مفوَّضٌ إلى اجتهادِ القاضِي، فرُبَّ شخصٍ في نهايةٍ مِنَ التَّديُّنِ وتجنُّبِ التَّكلُّفِ، يصدرُ ذلِك مِنه فَلا يُتَّهمُ، ورُبَّ شخصٍ يُؤذِنُ ذلِك مِنهُ بِقلَّةِ المُبَالاةِ، وهذا يختلفُ باختلافِ الأوقاتِ والأشخاصِ والأحوَالِ، وهو مفوَّضٌ إلى الاجتهادِ (٣) .