قولُها: «خَرَجَ أبُو زَرْعٍ، والأَوْطَابَ تُمْخَضُ» ، يُحتملُ / أنَّها أرادتْ تبكيرَ خروجِهِ من منزِلِها، وغُدُوِّهِ لذلك؛ لأنَّه وقتُ قيامِ الخدمِ والعبيدِ لأشغالِهِم ومِهنِهِم، وانْطوَى أثناءَ ذلك كثرةُ خيرِ دارِهِ، وغُزْرُ لبنِهِ، وأنَّ عندَهم منه ما يُشربُ صَرِيحًا، ومَخِيضًا، ويَفضُلُ عنْ حاجتِهِم، حتَّى يَمخُضُوهُ في الأوطابِ ويَستخرجوا زُبْدَهُ وسَمْنَهُ، كمَا قالَتْ: «فَنَقَلَنِي إلى أَهْلِ صَاهِلٍ، وجَامِلٍ / وَدَائِسٍ، وَمُنِقٍّ» .
ومِنْ هذا: حديثُ الحَجَّاجِ وقد سألَ وافِدًا عليه عَنْ الغَيْثِ، فقال لهُ: كانتْ سماءً، ولم أَرَهَا، وسَمِعتُ الرُّوَّادَ تدعوا إلى زِيادَتِها، وسمِعتُ قائلًا يقولُ: هَلُمَّ أُظْعِنُكُم، إلى مَحِلَّةٍ تُطْفَأُ / فِيهَا النِّيرَانُ، وتَشتَكِي فيها النِّساءُ، وتَنافَسُ فيها المِعْزَى، قال: فلمَ يفهَمْ الحَجَّاجُ مُرادَهُ، فاعْتَلَّ عليه، وقال لهُ: إنَّما تُخاطبُ أهلَ الشَّامِ فَأَفْهِمْهُمْ، فقال: أمَّا طَفْءُ النِّيرانِ، / فأخصبَ النَّاسُ وكثُرَ الزُّبدُ والسَّمنُ واللبنُ، فاستَغْنَوا عن النَّارِ للخُبْزِ، وأمَّا تَشكِّي النِّساءِ، فإنَّ المرأةَ تَرْبُقُ بَهْمَهَا، وتُمخَضُ لبَنَها، فتَبِيتُ ولَهَا أنِينٌ من عَضُدَيْها، في حديثٍ طويلٍ (١) .