فقولُهُ: {لَا فِيهَا غَوْلٌ} من صفةِ المشروبِ، وقولُهُ: {وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ} مِنْ صفةِ الشَّاربين، وهذا مِنَ التَّرتيبِ البديعِ، والتَّناسُبِ العجيبِ؛ فإنَّه جعلَ الوصفَ الأوَّلَ للموصوفِ الأوَّلِ، والثَّانِي للثَّانِي، وهو مِن أبدعِ أنواعِ التَّأليفِ، وأحسنِ أساليب التَّرصيفِ (١) ، ومثلُهُ قولِ امرئ القيسِ: /
كَأنَّ قلُوبَ الطَّيرِ رَطْبًا ويابِسًا ... لَدَى وَكْرِهَا العُنَّابُ، والحَشَفُ البَالِي (٢)
/ فأتَى «بالعُنَّابِ» أوَّلًا «للقلوبِ الرَّطبةِ» المذكورةِ أوَّلًا، و «الحَشَفُ» ثانِيًا «لليابِسَةِ» المذكورةِ ثَانِيًا، وقول بعضِهم:
سَلْ عنه، وانْطِقْ بِهِ، وانْظُرْ إليهِ، تَجِدْ ... مِلءَ المَسامِعِ، والأَفْواهِ، والمُقَلِ (٣)
فإنَّه قابَلَ بقولِهِ: «مِلء المَسامِعِ» أوَّلًا في الشَّطرِ الثَّانِي قولَهُ: / «سل عنه» أوَّلًا في الشَّطرِ الأوَّلِ.