فهرس الكتاب

الصفحة 661 من 930

وقَدْ روى البُخاريُّ في «صحيحِه» في حديثِ ابنِ شِهَابٍ، عن سالِمِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ، عن أَبيهِ في قصَّتِهِ معَ الحجَّاج حينَ قالَ لهُ: إِنْ كُنْتَ تُريدُ السُّنَّةَ، فهَجِّرْ بالصَّلاةِ يومَ عَرَفَةَ.

قالَ ابنُ شِهَابٍ: فقُلْتُ لسالِمٍ: أَفَعَلَهُ رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-؟ فَقَالَ: وهل يَعْنونَ بذَلكَ إِلَّا سُنَّتَهُ صلَّى الله تعالى عليه وآله وسلم؟!

فنَقَلَ سالمٌ -وهو أَحدُ الفُقهاءِ السَّبعَةِ مِن أَهلِ المدينةِ، وأَحَدُ الحُفَّاظِ مِن التَّابعينَ عنِ الصَّحابَةِ- أَنَّهم إِذا أَطلَقوا السُّنَّةَ، لا يُريدونَ بذلك إِلَّا سُّنَّةَ النبيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.

وَأَمَّا قولُ بعضِهِم: إِذا كَانَ مرفوعًا، فَلِمَ لا يقولونَ فيهِ: قالَ رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-؟ فَجَوابُهُ: إِنَّهُمْ تَرَكوا الجَزْمَ بذلك تَورُّعًا وَاحتِياطًا.

وَمِنْ هَذَا: قولُ أَبي قِلَابةَ عن أَنسٍ: «مِنَ السُّنَّةِ إِذَا تَزوَّجَ البِكْرَ على الثَّيِّبِ أَقامَ عندَها سَبعًا» ، أَخرَجاهُ في الصَّحيحينِ.

قالَ أَبو قِلابةَ عن أنس لو شِئْتُ لقُلْتُ: إِنَّ أَنسًا رفَعَهُ إِلى النَّبيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.

أَيْ: لَوْ قُلتُ، لَمْ أَكْذِبْ؛ لأَنَّ قولَه: «مِن السُّنَّةِ» هَذَا معناهُ، ولَكنَّ إِيرادَهُ بالصِّيغَةِ التي ذَكَرها الصَّحابيُّ أَوْلَى.

ومِن ذَلكَ: قَولُ الصَّحابيِّ: أُمِرْنا بكَذَا، أَوْ: نُهينا عَنْ كذا، فالخِلافُ فيهِ كالخِلافِ في الَّذي قَبْلَهُ؛ لأنَّ مُطْلَقَ ذلك يَنْصَرِفُ بظاهِرِه إِلَى مَنْ لهُ الأمرُ والنَّهْيُ، وهُو الرَّسولُ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.

وَخَالفَ في ذَلكَ طَائفةٌ وتمَسَّكوا باحْتِمالِ أَنْ يَكونَ المُرادُ غيرَه؛ كأَمرِ القُرآنِ، أَو الإِجماعِ، أَو بعضِ الخُلفاءِ، أَو الاستِنْباطِ!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت