ومع وجود هذه الأدلة على جواز النسخ، فهناك طائفة من المسلمين تنكر النسخ، كما أنكره النصارى واليهود، وماذاك إلا افتراء وعناد منهم، فليس هناك ما يمنع وقوع النسخ في أحكام الله، فإنه يحكم ما يشاء، ويفعل مايريد. وقد وقع النسخ في الشرائع المتقدمة: فقد أحلَّ الله لآدم أن تتزوج بناته من بنيه ثم حرَّم ذلك، كما أبيح لنوح بعد خروجه من السفينة أكل جميع الحيوانات، ثم نسخ ذلك فأحلَّ بعضُها.
طريقة معرفة الناسخ والمنسوخ. إن النسخ يتضمن رفع حكم وإثبات حكم، لهذا لا يحل لمسلم أن يقول فيه إلا بيقين. فلا يعتمد فيه على قول مفسِّر أو اجتهاد مجتهد من غير نقل صحيح، لهذا لايقبل نسخ آية أو حديث بغير أحد وجوه ثلاثة وهي: 1- النص الصريح بأن هذا الأمر ناسخ لكذا، كقوله تعالى: ?قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينَّك قبلة ترضيها، فول وجهك شطر المسجد الحرام? البقرة: 144. وقوله تعالى: ?علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن? البقرة: 187. فهذه الآية صريحة في نسخ النهي عن الوطء في ليل رمضان. وحديث (كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها ) . 2- إجماع الأمة بلا خلاف يعتدُّ به على أن أمر كذا منسوخ، ومعلوم أن الإجماع يستند إلى دليل. 3- تعارض الأدلة المتساوية تعارضًا تامًا، مع معرفة الأمر المتقدم زمنًا من المتأخر، بمعنى أن النَّصين إما أن يتعارضا من جميع الوجوه، أو من وجه دون وجه، فإن تعارضا من وجه دون وجه جمع بينهما، وإن تعارضا من جميع الوجوه، فإن كان أحدهما قطعيًا والآخر ظنيًا، أو كان أحدهما أقوى من الآخر في الثبوت عُمل بالأقوى، وأهمل الآخر.
وإن تعارضا من جميع الوجوه، وتكافآ في الثبوت، وعلم الأمر المتقدم منهما والمتأخر صرنا إلى النسخ. أما إن تعارضا من جميع الوجوه، وتكافآ في الثبوت، ولم يعلم المتقدم والمتأخر، فلا يصار إلى النسخ بالاجتهاد، بل يجب التوقف عنهما، أو التخيير بينهما.