وفي ضوء ما ورد في هذه الخطبة، يمكن القول بأن كامل المبرد ـ هو في الأصل ـ كتاب في الاختيارات الشعرية والنثرية حتى عصر المؤلف، وأن النثر فيه قد تنوع بين الفنون المختلفة: رسالةً وخطابة ومثلًا ونادرة وخبرًا وأن هذه الاختيارات الأدبية قد حرص أبو العباس المبرِّد على أن يقدمها للقارئ مشروحةً مفسرة، فضلًا عن تزويد القارئ ببعض ما يعرض فيها من مسائل النحو والإعراب. فالكتاب على هذا النحو كتاب أدبي لغوي نحوي شامل، لا يستغني عنه الناشئة المبتدئون فضلًا عن العلماء المتخصصين.
وقد فتح كتاب الكامل الطريق أمام العديد من المؤلفات التي طابقته من بعض الوجوه، وخالفته من وجوه أخرى. فمن هذه المؤلفات: كتاب الأمالي لأبي علي القالي (ت356هـ) الذي يطابق الكامل في اعتماده على النصوص الأدبية نثرًا وشعرًا، مع العناية بالشرح وإثارة بعض القضايا اللغوية. ومن الكتب التي تأثرت به ـ وإن لم تطابقه لغة ونحوًا ـ كتاب العقد الفريد لابن عبد ربه.
ولم تخضع أبواب الكامل لخطة معيّنة في ترتيب الموضوعات، بل تمضي الموضوعات على نحو عفوي، فالجزء الأول ـ مثلًا ـ يبدأ بحديث الرسول ³: (إنكم لتكثرون عند الفزع، وتقلون عند الطمع ) إذ يمضي المبرِّد في شرح معنى لفظ الفزع في الحديث، ثم ما يلبث أن ينتقل إلى شرح حديث: (ألا أخبركم بأحبكم إليّ وأقربكم مني مجالسَ يوم القيامة .. ) ومنه إلى خطبة لثاني الخلفاء الراشدين عمر بن الخطاب، فرِسالة القضاء له أيضًا.
فإذا جئنا إلى الباب الثاني وجدناه يختار نصوصًا أغلبها من الشعر، وكلها تتعلق ببعض الظواهر البلاغية كالاختصار والإيحاء والبعد عن التكلّف إلى غير ذلك، مما يجعل مادة الباب الثاني موضوعًا موحدًا يقوم على المعالجة البلاغية، وليست النصوص فيه إلا شواهد بلاغية على خلاف الباب الأول.