ليست المساجد أماكن لإقامة صلاة الجمعة والجماعة فحسب، وإنما هي مركز المجتمع المسلم، وهو المركز السياسي والديني للأمة، ففيه تقام الصلاة، وفيه تُناقش مشاكل الأمة الإسلامية، وتنظم أمورها الحربية والسياسية والاقتصادية وغيرها. هكذا كان المسجد على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وعلى عهد الخلفاء الراشدين، فمسجده ³ في المدينة كان مركزًا للعبادة، ومركزًا للإدارة، والسياسة، ففيه كانت الوفود تأتيه ³، فتتعلم منه الإسلام، وقد يسلم بعضها ويبايع، وفيه كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعلم الأمة الإسلام، وينظم أمورها كلها، وفيه كان يدير أمور دولته الوليدة. ولا غرو إذًا أن ظل المسجد على أيام الإسلام الأولى، قلب ووسط المدينة الإسلامية، وبالقرب منه بيت الوالي أو الحاكم، ومعسكر الجيش، كانت هذه الأماكن الثلاثة تُبنى وكأنها قلعة واحدة، في وسط البلد الذي يفتحه المسلمون، وفي المسجد، كانت البيعة تؤخذ للخلفاء الأوائل. فقد تمت بيعة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي فيه. ومن المنبر، كان الخليفة يلقي خطبته على المسلمين، فيبين فيها خطته في الحكم، ومن المنبر أيضًا، كانت تعلن كل قرارات الدولة الرسمية، وأخبار الحرب، وفي المسجد، كانت تقسم الغنائم، وكان ³ يقوم بتسوية الأمور القضائية ويحكم فيها في المسجد، وظل القضاة يجلسون في المسجد ـ إلى جانب المنبر ـ حتى العهد الأموي. ثم جلسوا بعد ذلك بالقرب من المسجد، الذي كان مركزًا للتعليم، لحفظ القرآن، ثم لتلقي العلوم الشرعية، وحلقات العلم التي تعقد في المساجد معروفة حتى يومنا هذا، فالعلماء ما زالوا وحتى عهد قريب يجلسون لطلابهم في المساجد، ولعل الأزهر خير مثال لذلك. كما أن المكتبات كانت تلحق بالمسجد، كما تلحق به بعض الأوقاف لإعماره وصيانته، وللإنفاق على طلبة العلم المقيمين في المساكن القائمة حوله. انظر: المسجد.