فهرس الكتاب
هل الإيمان هو التصديق والإقرار فقط؟
القاعدة الأولى: إن الألفاظ إذا عُرِف تفسيرها من قِبَل النبي - صلى الله عليه وسلم - لم تعد هناك حاجة للاستدلال عليها من أهل اللغة. وإن لفظ الإيمان في اللغة لم يقابَل بالتكذيب كلفظ التصديق، فإن الكفر قد يكون معه التصديق ولكن يصاحب التصديق شيء من المعاندة وعدم الخضوع. فقد كان أبو طالب مصدّقًا للنبي - صلى الله عليه وسلم - لكنه لم ينقد لشهادة التوحيد، وفرعون قد بلغ درجة الاستيقان بصدق موسى - صلى الله عليه وسلم - كما قال تعالى {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} [النمل14] لكنه استكبر وجحد، فلا بد أن يكون مع التصديق موافقة وانقياد وخضوع ولا يكفي مجرد التصديق. ولو قال قائل أنا أعلم أنك صادق ولكن لا أتبعك بل أعاديك لكان كفره أعظم.
ـ وإذا كان الكفر ليس تكذيبًا فقط: فالإيمان ليس تصديقًا فقط.
ـ وكل مكذّب كافر، وليس كل كافر مكذب.
وأما احتجاجهم بقوله تعالى {وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ} فقد أجاب ابن تيمية أن لفظ الإيمان تكرر في القرآن والحديث أكثر من غيره من الألفاظ، فلا بد من النظر إلى باقي النصوص لا أن يتمسك بآية واحدة ويترك الباقي.
القاعدة الثانية: أن الإيمان وإن تضمن التصديق فإنه ليس مرادفًا له، فإن الله فرّق بين الإيمان بالله وبين الإيمان للمؤمنين كما قال {يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ} [التوبة61] ووجه الفرق أن للإيمان بالله لوازم وشروط أخرى غير التصديق كالخضوع والانقياد، بخلاف الإيمان للمؤمنين فإنه التصديق بما أخبروا به.
ـ وسبب جنوح الأشاعرة إلى أنه التصديق فقط: قولهم بأن الإيمان معنى قائم بذات المتكلم وأنه ليس يرجع إلى ما نعقله من الحروف المنظومة والأصوات المقطعة.
القاعدة الثالثة: أن الإيمان قد يرِدُ في النصوص مطلقًا عن العمل وقد يَرِدُ مقرونًا بالعمل، فأما إذا ورد مطلقًا فإنه يكون مستلزمًا للأعمال، إذ لا يمكن تصوّر إيمان القلب مع انتفاء جميع الأعمال، وذلك كقوله تعالى {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا} [الحجرات 15] وقوله - صلى الله عليه وسلم -"لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن" (متفق عليه) .
وأما إذا ورد عطف العمل على الإيمان فإن العطف لا يقتضي المغايرة كقوله تعالى {آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} وإنما هي من باب عطف الخاص على العام أو الجزء على الكل كقوله تعالى {حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى} [البقرة238] وكقوله مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلّهِ