إن الحبشي يريد أن يجتمع في قلب المسلم: إيمانٌ بالله وإيمانٌ بالطاغوت، وإذا كان لا يجتمع إيمان وشح في قلب عبد مؤمن [1] فكيف يجتمع فيه إيمانٌ بالله وتحاكم إلى الطاغوت؟
ولما أطاع بنو إسرائيل أحبارهم ورهبانَهم في استباحة ما حرّم الله وتحريم ما أحل الله اعتبر الله ذلك عبادة من دونه فقال {اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ} [التوبة31] دل على أن التحاكم إلى غير الله شرك ويسمى (شرك الطاعة) وقد حذر المؤمنين من هذا الشرك فقال {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} . وقال تعالى {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} فجعل من لوازم الإيمان وصدقه: الردّ إلى الله والرسول.
فمن شهد أن لا إله إلا الله ثم عدل عن تحكيم الله والرسول واحتكم إلى غيره في موارد النزاع فقد كذب في شهادته.
ـ ومن كان يقولها ولا يعمل بها فمعناه أنها لم تعمل عملها في قلبه فهو على شر، فكيف بمن يقولها بلسانه ويخالفها في فعله حين يستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير ويرجو من الأموات ما لا يرجو من الحي الذي لا يموت. ومن يفعل ذلك كيف يعتبر نفسه في عداد الموحدين!.
ـ فالتوحيد والشرك يكونان في أقوال القلب وأعمال القلب. ولهذا قال الجنيد"التوحيد قول القلب والتوكل عمل القلب"لكن الجهمية المرجئة ظنوا أن مجرد علم القلب وتصديقه هو الإيمان، وهذا من أعظم الجهل شرعًا وعقلًا، وحقيقة قولهم يوجب التسوية بين المؤمن والكافر. فالإيمان لا بد فيه من تصديق القلب وعمله، وهذا معنى قول السلف الصالح"الإيمان قولٌ وعملٌ". كما قال الشيخ الجيلاني رحمه الله ونعتقد أن الإيمان قول باللسان، ومعرفة بالجنان، وعمل بالأركان ... وقد أنكرت الأشعرية زيادة الإيمان ونقصانه وهو في اللغة التصديق، وفي الشرع: التصديق وهو العلم بالله وصفاته مع جميع الطاعات والوجبات ..." [2] ."
وقال أبو منصور البغدادي"وفي رواية أهل البيت عن علي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: الإيمان معرفة بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالأركان" [3] .
(1) حديث"لا يجتمع الشح والإيمان في قلب عبد مؤمن"رواه الترمذي (1633) بإسناد صحيح.
(2) الغنية لطالبي الحق 62 ط الحلبي 1956 مصر .
(3) أصول الدين 251 .