فالمراد من الشهادتين
ـ تحقيق توحيد الله. فلا معبود بحق إلا الله.
التقيد بكل ما أنزل الله على رسوله - صلى الله عليه وسلم - والتحاكم إليه. إذ ماذا ينفع الإيمان بالوحي المنزل مع نبذه والتحاكم إلى غيره!!. لكن الحبشي افتتح كتابه بما اقتضت الحكمة النبوية عدم إذاعته بين
الناس، فقد قال له معاذ"أفلا أخبر به الناس فيستبشروا؟ قال: لا إذن يتّكِلوا".
ولم يخبر معاذ بهذا الحديث إلا عند موته تأثمًا.
ومن فقه البخاري أنه أدرج حديث معاذ في باب"من خصّ بالعلم قومًا دون قوم كراهية أن لا يفهموا"ثم روى قول علي"حدثوا الناس بما يعرفون"قال الحافظ"فيه دليل على أن المتشابه لا ينبغي أن يُذكر عند العامّة". فراح الحبشي وابتدأ به عقيدته وابتدأ به من لا يفهموا.
وقال ابن مسعود"ما أنت محدّثٌ حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة". ثم ذكر الحافظ أيضًا أن حذيفة استنكر تحديث أنس للحجاج بن يوسف بقصة العرنيين الذين قتلهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - ومثّل بهم لأنه اتخذها وسيلة إلى استباحة سفك دماء المسلمين [1] .
ـ ولذا كره أهل العلم ذكر هذه الرواية من دون ذكر الروايات الأخرى التي تحكي خروج الموحدين من أهل الكبائر من النار وقد تفحموا ثم يدخلون بعد ذلك الجنة لأن الله حرّم على الموحد الخلود في النار، وإلا وقعوا في فتنة في الأرجاء. ونقل ابن رجب ضرورة تقييد هذا الحديث بالروايات الأخرى لئلا يشتبه على طلبة العلم فهمه ولئلا يتذرع بظاهره أهل الهوى.
ـ وقد قسّم دخول المؤمنين الجنة على نوعين:
1 )دخول مطلق. مثل حديث السبعين ألفًا من أمة النبي - صلى الله عليه وسلم - الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب وكذلك الشهداء.
2 )دخول مقيد: فمن أهل الكبائر من لا يدخل الجنة إلا بعد أن يُعذب في النار ثم يخرج منها بالشفاعة. كما ثبت أن الله تعالى يقول"وعزتي وجلالي لأُخرِجنّ من النار من قال لا إله إلا الله"ويُخرج من النار أقوامًا بعد أن امتحشوا فيها [2] وبهذا يُفسّر قوله - صلى الله عليه وسلم - وإن زنا وإن سرق.
(1) فتح الباري 1/225 .
(2) أي احترقوا .