وأشار صاحب الحدائق الوردية النقشبندي إلى هذا الفرق بين توحيد الربوبية التي سماها مرتبة الخالقية والمرتبة الثانية التي أسماها بمرتبة الألوهية [1] .
? الجواب الرابع
أن تقسيم التوحيد إلى ربوبية وألوهية ليس بدعة بل حكاه الطبري وغيره عن أهل العلم قبل ابن تيمية بمئات السنين: فقد قال في تفسير قوله تعالى { ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ } أي فاعبدوا ربكم الذي هذه صفته وأفردوا له الربوبية والألوهية" [2] . وكذلك قوله تعالى { ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَّا إِلَهَ إِلَّا هُوَ } أي الذي فعل هذه الأفعال وأنعم عليكم هذه النعم هو الله الذي لا تنبغي الألوهية إلا له وربكم الذي لا تصلح الربوبية لغيره" [3] .
وفي تفسيير قول { فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ } قال"كانت العرب تقر بوحدانية الله غير أنها كانت تشرك في عبادته" [4] .
وقوله تعالى { وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ } "وإيمانهم بالله هو قولهم: الله خالقنا ورازقنا ومميتنا ومحيينا ، وإشراكهم هو جعلهم لله شريكًا في عبادته ودعائه ، فلا يخلصون له في الطلب منه وحده، وبنحو هذا قال أهل التأويل"ثم روى مثل ذلك عن ابن عباس وعكرمة ومجاهد وعامر وقتادة وعطاء وجمع . قال قتادة"لا تسأل أحدا من المشركين من ربك ؟ إلا ويقول ربي الله وهو يشرك في ذلك"وقال ابن زيد"ليس أحد يعبد مع الله غيره إلا وهو مؤمن بالله ويعرف أن الله ربه خالقه ورازقه وهو يشرك به ... ألا ترى كيف كانت العرب تلبي تقول: لبيك اللهم لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك: المشركون كانوا يقولون هذا" [5] .
فالتقسيم دليله من كتاب الله كتقسيم الأحكام إلى فرض وواجب ومسنون ومباح ومكروه ومحرم وليس في ذلك نص وإنما هو مستفاد من نصوص الشرع، بخلاف التقسيمات المخالفة للنصوص الشرعية كتقسيم البدعة إلى بدعة واجبة وبدعة مستحبة وقد قصرها النبي - صلى الله عليه وسلم - على واحدة"كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار".
ومن الأدلة على صحة التقسيم ما أخرجه (مسلم 382) عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال"كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يغير إذا طلع الفجر وكان يستمع الأذان فإن سمع أذانًا أمسك وإلا أغار . فسمع رجلا يقول: الله أكبر الله أكبر . فقال"على الفطرة"، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"خرجت من النار". فنظروا فإذا هو راعي معزى".
فقول رسول الله عليه - صلى الله عليه وسلم - لمن قال: الله أكبر"على الفطرة"أفاد أمرًا مهمًا وهو أن هذا القول وما يدل عليه من توحيد الربوبية مستقر في الفطرة البشرية ولذلك لم يحكم بنجاته من النار وإسلامه إلا عندما أتى بالشهادة بتوحيد الألوهية.
لماذا نُذَكِّر بهذا التقسيم ؟
(1) الحدائق الوردية في حقائق أجلاء النقشبندية 187 .
(2) المجلد السابع 11: 60 .
(3) - المجلد 11 / 35 .
(4) - الطبري 1: 128 .
(5) - تفسير الطبري 13 / 50-51 .