فهرس الكتاب

الصفحة 115 من 1116

وقد وجب تذكير الناس بهذا حين اعتقدوا أن ( لا إله إلا الله) تعني أنه لا خالق ولا رازق إلا الله وهو المعنى نفسه الذي ذهب إليه المشركون كلما سئلوا { مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ } قالوا { اللَّهُ } .

ومن هنا وجب تذكير الناس بتوحيد الألوهية لئلا يظنوا أن لهم الفضل في توحيدهم الفطري للربوبية . وليعلموا أنهم مطالبون بمقتضى توحيد الربوبية الفطري أن يوحدوه توحيد الألوهية وذلك بإفراده بالدعاء والذبح والنذر وسائر الطاعات والعبادات . فإن من يعتقد أن الله هو الخالق الرازق وحده وجب عليه بمقتضى ذلك أن يعبده وحده فيجعل صلاته وذبحه ودعاءه له وحده لا يشركه في ذلك ولي ولا صنم ولا ضريح .

وقد احتيج إلى هذا التقسيم أيضا لقطع الطريق على أهل الكلام الذين قصروا الناس على توحيد الربوبية الذي كان يعتقده أبو جهل وجعلوه غاية توحيدهم، كما زعموا أن أحمد الرفاعي قال"غاية المعرفة بالله: الإيقان بوجوده [1] وليتنبهوا إلى أن غاية التوحيد الذي أرسل الله من أجله رسله وأنزل كتبه ليس لمجرد اعتقاد أن صانع العالم واحد وإنما غايته إفراد صانع العالم وحده بالعبادة ، والدعاء عبادة والذبح والنذر عبادة ."

لماذا قال الملكان: من ربك ولم يقولا من إلهك ؟

شبهة: واحتج الحبشي بسؤال الملكين للميت (من ربك"ولم يقولا له: من إلهك"على أن الربوبية والألوهية شيء واحد .

و الجواب:

أن هذا الدليل شبهة ليست بأوضح ولا أقوى من النص القرآني { وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ } { وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ } فالنص القرآني محكم يرد إليه المتشابه الذي احتج به أهل الزيغ ، أن الربوبية والألوهية يجتمعان ويفترقان كما في قوله تعالى { قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ } وكما يقال { رَبِّ الْعَالَمِينَ } و ( إله المرسلين (، وذلك مثل لفظ(المؤمن والمسلم) (والفقير والمسكين) (والزكاة والصدقة) .

وعند الإفراد يجتمعان كما في قول الملك للميت (من ربك) ومعناه من إلهك . لأن الربوبية التي أقر بها المشركون وشهد لهم القرآن بالإقرار بها ما يمتحن بها أحد . وكقوله تعالى { إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا } { الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ } { قُلْ أَغَيْرَ اللّهِ أَبْغِي رَبًّا } فالربوبية في هذه الآيات هي الألوهية ليست قسيمة لها كما تكون قسيمة عند الاقتران .

فإذا قيل: فقولوا بأن آية الميثاق { أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ } تتعلق بالألوهية وليس الربوبية .

فالجواب:

أولًا: أن هناك قرينة تثبت أن الربوبية هي المراد هنا دون الألوهية ، وهي أن الكافر بعد أن يعرض عليه مقعده من النار يقول"رب لا تقم الساعة"فهذا يدل على أنه مؤمن به مقر بوجوده فكيف يسأل عنه ؟

وقد حرمه الله أن يجيب عن هذه الحقيقة التي فُطِر عليها ولم يثبته عند السؤال عقوبة له ، والجزاء من جنس العمل: فكما أنه نسي الله في الدنيا فقد أنساه الله الإجابة عما فيه نجاته في الآخرة . فقال عند السؤال (هاه هاه لا أدري) . وقال بعد السؤال (رب لا تقم الساعة) .

(1) - مرشد الحائر في حل ألفاظ ابن عساكر 34.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت