وقال الشهرستاني وقد سلكت المعتزلة طريق التمانع في استحالة الالهَيْن كما سلكناه" [1] ."
وهو من جملة السم الذي سقاه المعتزلة للأشاعرة (أو قل) وبقي من مخلفاتهم وتفاخر به الحبشي وأسلافه من خَلَف المعتزلة [2] .
ولعلهم تجاهلوا ما ذكره المرتضى الزبيدي أن من الأشاعرة من أورد على هذا البرهان اعتراضات عديدة كالآمدي الذي وصفه بأنه مسلك ضعيف كالسعد التفتازاني الذي ذكر من مفاسد هذا الدليل: أنه لو تعدد الإله لم تتكون السموات والأرض أصلا . ثم نقل عن النسفي إشكالًا آخر وذلك أن يسأل سائل: لماذ لا يجوز فرض إلهين متوافقين في الإرادة بحيث يمنع وقوع المخالفة بينهما ؟
ثم عاد فنقل عن السعد أن هذا البرهان إقناعي وليس قطعيًا ولا يفحم الجاحد ، مما أدى بالشيخ عبد اللطيف الكرماني إلى التشنيع عليه ، مستندًا في تشنيعه إلى أن صاحب التبصرة حكم بكفر أبي هاشم لقدحه في دلالة الآية [3] .
على أن هذا الدليل بحد ذاته صادق وبرهان تام على امتناع صدور العالم عن اثنين ، ولكن الآية لا علاقة لها بإثبات صانع واحد ، وإنما معناها أنه لو وُجد من يستحق العبادة مع الله لفسدت السموات والأرض .
وبهذا يبطل الاستدلال بالقرآن على صحة دليل التمانع { لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا } لأن الآية سيقت للرد على المشركين الذين لم يعتقدوا صانعين للعالم أو أكثر بل اتخذوا آلهة لم يعتقدوها أنها خالقة بل جعلوها وسيلة لهم تقربهم إلى الخالق الواحد وتشفع لهم عنده . فإذا ثبت بدليل صريح أن المشركين كانوا يعتقدون بوجود خالقين آخرين مع الله فقد صح دليل التمانع وان لم يثبت بطل دليل التمانع .
ولفظ (آلهة) جمع إله ، وهو المألوه أي المعبود ، وليس معناه: القادر على الاختراع كما قاله الرازي وحكاه البغدادي عن الأشعري [4] . بينما مطلوب دليل التمانع إثبات خالق رازق مخترع واحد . وهو دليل تمنع الأنبياء عن الدعوة إليه .
وبما أن غاية دليل التمانع [5] إثبات صانع مبدع للكون لا خالق سواه ، وبما أنه ينتهي بعد الخوض في الله بالطريقة الرياضية الحسابية إلى إثبات أن خالق العالم واحد لا شريك له في خلق الكائنات وتدبير المصنوعات ، وأنه لم يتطرق إلى توحيد هذا الخالق في العبادة والدعاء والاستغاثة وإفراده في الذبح والنذر ، اضطر أهل السنة إلى تفصيل أنواع التوحيد كما وردت في القرآن الكريم فقالوا [6] :
توحيد الربوبية
(1) نهاية الإقدام 101 رسائل العدل والتوحيد 1/229 للمرتضى المعتزلي شرح الأصول الخمسة 281 للقاضي عبد الجبار.
(2) الإنصاف للباقلاني 49 الإرشاد للجويني 71 المواقف للإيجي 278 .
(3) اتحاف السادة المتقين 2/ 129 و 132 وجوهرة التوحيد بشرح البيجوري 61 وغاية المرام للآمدي 151 وشرح العقائد النسفية 28 .
(4) لوامع البينات للرازي 124 وأصول الدين للبغدادي 123.
(5) هو قاعدة جدلية لإثبات وحدانية الله في الخلق ابتكرها الفلاسفة ثم تلقاها عنهم الجهمية ثم المعتزلة ثم أخذ بها الأشاعرة والماتريدية.
(6) أنظر الصفحة التالية .