هو توحيد فطري ، فطر الله العباد عليه ، سواء منهم المؤمنون والكافرون حين استخرجهم من ظهر أبيهم آدم { وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا } (الأعراف 172) فمن جحد ربوبية الله فقد جحد ما استيقنه قلبه كما حكى الله عن فرعون وقومه { وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا } ( النمل 14 ) وقال موسى لفرعون { لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَآئِرَ } ( الإسراء 102 ) .
فاعتقاد أن الله هو الخالق الرازق وحده من المسقمات الفطرية ، ولذلك يخطئ من يفني عمره في استخراج الأدلة على إثبات وجود الله لأن الدليل على ذلك مركوز في الفطرة .
وهذه حقيقة اعترف الحبشي بها بعد كثرة الخوض وإيراد الأدلة وهو أن العلم بذلك مستقر في قلوب البشر وفِطَرِهم ، ونقل اعتراف الرازي بذلك [1] . وهو قول الشهرستاني في نهاية الإقدام (ص 124) .
غير أن الغزالي قد شك بهذه الفطرة حين قال"وليس كل ما تشهد به الفطرة قطعًا هو صادق ، بل الصادق ما يشهد به قوة العقل" [2]
فتوحيد الربوبية كان يعتقده المشركون ، ولذلك لم يدعهم إليه الرسل لعِلْمهم أن الله فطرهم عليه والدليل على ذلك من القرآن الكريم: { وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ } ( الزخرف 9 ) .
{ قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ 84 سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ } .
{ قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ 86 سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ }
{ قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ 88 سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ } ( المؤمنون 84-89 ) .
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما يرويه عن ربه"خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين" [3] . فالحنيفية هي الإسلام .
ولذلك لم يدْعُ الأنبياءُ قومَهم إلى اعتقاد أن الله هو الخالق الرازق ، فالقرآن أفاد بأنهم يؤمنون بذلك . وإنما كانت أول دعوتهم إلى:
توحيد الألوهية
{ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ } ( الأعراف 59 ) فقد كانوا يتخذون بينهم وبينه وسائط يتقربون بهم إلى الله زلفى .
قال تعالى { وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ } (يونس 18) .
فتوحيد الألوهية يدخل فيه توحيد الربوبية ، بمعنى أن من أفرد الله بالدعاء والطاعة والامتثال والخوف والرجاء فلابد أن يكون معتقدًا بتوحيد ربوبية الله بالخلق والإيجاد وأنه لا خالق إلا هو ، وأن من أتى بتوحيد الألوهية لا يُطلب منه أن يأتي بتوحيد الربوبية لأن الثاني داخل فيه .
وهذا التوحيد (توحيد الألوهية) لم يعالجه دليل التمانع عند أهل الكلام ولم يتطرق إليه ولذلك تجدهم يبيحون الاستغاثة بغير الله وسؤال أهل القبور وطلب الشفاعة منهم:
والدليل على ذلك ما قاله الحبشي من أن من قال لا إله إلا الله فهو موحد وإن استغاث بالأنبياء والأولياء ، وإن استعاذ بسوى الله ، وأن الأولياء يخرجون من قبورهم ليجيبوا دعوة الداع إذا دعاهم !
(1) الدليل القويم 35 .
(2) المستصفى 1/ 47 .
(3) مسلم (2865) .