فمن زعم أن فلانًا يشفع له مما لا برهان له به فسيضل عنه يوم القيامة كما قال تعالى { وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاء ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاء لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ } ( الأنعام 94) ونحن لا نشك في أن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - يشفع لكننا لا نعلم فيمن يؤذن له بالشفاعة ؟ لأن الأمر أولًا وأخيرًا بيد الله .
موقف سلفنا من الشفاعة
ثم الشفاعة ليست خاصة بالنبي محمد - صلى الله عليه وسلم - دون غيره من الأنبياء ، بل باقي الأنبياء يشفعون ، وليس هو الحي الوحيد في قبره وإنما باقي الأنبياء أحياء في قبورهم وكان الصحابة لا يجهلون أن الأنبياء يشفعون ومع هذا فلم يعلم أصحابه أن يسألوه الشفاعة بعد موته ، ولا علمهم طلب الشفاعة من الأنبياء ولم يقل لهم يجوز طلب الشفاعة من النبي المفضول مع وجود النبي الفاضل كما يدعي الحبشي في فعل عمر .
سؤال: لماذا نجد الشفاعة منفية تارة ومثبتة تارة أخرى ؟
والجواب: أن الشفاعة المنفية شفاعة أهل الشرك الذين اتخذوا لأنفسهم عهدًا بأن غير الله سيشفع لهم عنده . وهي الشفاعة التي يدافع عنها مشركو اليوم ممن يخاطبون الأموات ويطلبون منهم الشفاعة . يسيئون العمل ويعلقون على الشفيع الأمل ، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لابنته فاطمة"أنقذي نفسك من النار لا أغني عنك من الله شيئًا".
-قال ابن تيمية"وأصل ضلال المشركين أنهم ظنوا أن الشفاعة عند الله كالشفاعة عند غيره ... فالله هو رب كل شيء ومليكه وخالقه فلا يشفع أحد عنده إلا بإذنه ولا يشفع أحد في أحد إلا لمن أذن الله للشفيع أن يشفع ، وإذا لم يأذن الله لم تنفع الشفاعة كما لم تنفع شفاعة نوح في ابنه ولا إبراهيم في أبيه ولا لوط في قومه ولا صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - على المنافقين واستغفاره لهم" [1] . فإكرام الله نبيه بالشفاعة ليس مطلقًا من غير تقييد ، كما يهوى أهل الهوى والبدع .
الشفاعة لأهل الكبائر لا لأهل الشرك
تحقيق التوحيد أهم أسباب الشفاعة
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلًا قال للنبي - صلى الله عليه وسلم -"من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله ؟ قال: من قال لا إله إلا الله خالصًا من قلبه" [2] .
فلا نصيب في الشفاعة لمن أشرك مع الله في الدعاء ولم يخجل من مناداة غيره جاهلًا أن شفاعة النبي - صلى الله عليه وسلم - لا نصيب فيها لمشرك ، إنما هي لأهل الكبائر الموحدين من أمته لا لأهل الشرك كما قال"فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئًا" [3] . فحتى الزنا وشهادة الزور وقتل النفس ذنوب يرجى معها المغفرة والشفاعة لا الشرك ، فالله أكبر كم غفل الناس عن قباحة هذا الذنب !!!
ثم إن مفهوم الشفاعة عند هؤلاء يودي إلى التعلق بالأماني وترك العمل والاستعاضة عنه بالتعلق بنبي أو صالح يستغيث به من دون الله ، ويسأله أن يدعو الله له في قبره ، فيزعم أن الله لا ينظر إليه لذنوبه وهنا تأتى أهمية الوسيط الصالح المطهر المحبوب عند الله . وكأن هذا الوسيط أرحم بالعباد من رب العباد !!!
(1) الرد على البكري 60- 61 .
(2) أخرجه البخاري رقم (99) .
(3) رواه مسلم (199) .