وغفل أن الشفاعة بيد الله هو الإذن بها لمن يشاء ويرتضي لها من يشاء للشفيع أن يشفع وهذا يقطع الطريق على من يتعلقون بالذوات ويربطون نجاتهم بهم فيعتمدون في أمر نجاتهم على الآخرين لا على العمل مضاهأة للنصارى .
قال تعالى { لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا } قال ابن جريج"أي عملًا صالحًا" [1] .
ليست كل دعوات الأنبياء مجابة
وليعلم أن دعوات الأنبياء ليست مستجابة كلها ، فالله لم يستجب دعوة النبي - صلى الله عليه وسلم - في عبد الله بن أُبيّ بن سلول وأصحابه حتى قال { إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ } ( التوبة 80 ) وقد رد الحافظ على من زعم أن جميع دعوات الأنبياء مستجابة"قائلًا"وهذا فيه غفلة عن الحديث الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: إني سألت الله ثلاثًا فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة"، وسأل ربه أن يستغفر لأمه فمنعه ذلك ، ولما أراد نوح أن يستغفر لابنه قال الله له { يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ } . وهذا إبراهيم عليه السلام لم تنفع شفاعته في أبيه ."
فائدة أخرى من كلام الحافظ: قال"وقد استشكل ظاهر الحديث بما وقع لكثير من الأنبياء من الدعوات المجابة ولا سيما نبينا - صلى الله عليه وسلم - ، وظاهره أن لكل نبي دعوة مستجابة فقط . والجواب أن المراد بالإجابة في الدعوة المذكورة القطع بها ، وما عدا ذلك من دعواتهم فهو على رجاء الإجابة" [2] .
وقال الكِرْماني في شرح البخاري (22/122) عند شرح الحديث"معناه لكل نبي دعوة مجابة البتة ، وهو على يقين من إجابتها ، وأما باقي دعواتهم فهي على رجاء إجابتها: بعضُها يجاب وبعضها لا يجاب".
وإذا كان في حياته يشفع لهم بالدعاء ، وبعد موته يشفع ، وبعد قيامه يشفع: فأي معنى لقوله - صلى الله عليه وسلم -"أنا أول شافع"؟
وما معنى قوله"إني اختبأت دعوتى شفاعةً لأمتى يوم القيامة فهي نائلةٌ إن شاء الله من مات لا يشرك بالله شيئًا"؟ فالرسول يقول"اختبأت"وهؤلاء يتعجلونها ويكذّبونه حين يزعمون أنه لم يختبئها بل هي نائلة من يستغيث به في الدنيا عند قبره ، وهم بطلبهم الشفاعة بهذه الطريقة قد يُحرَمُون من الشفاعة ، فإن من طلب شيئًا قبل أوانه عوقب بحرمانه .
والنبي - صلى الله عليه وسلم - هو الذي أخبرنا أنه سيشفع يوم القيامة فيسجد تحت العرش ما شاء الله له أن يسجد ثم يقال له"أي محمد ، ارفع رأسك وقل يُسمع لك ، وسلْ تُعطه ، واشفع تُشفّع"فشفاعاته في الدنيا وهو حي ثابتة ، كقول عكاشة"يا رسول الله أدع الله أن أكون منهم"فقال له"أنت منهم".
وشفاعته في الآخرة ثابتة لا جدال فيها . ويبقى أن يأتينا من يزعم أنه يشفع في قبره بعد موته بدليل صحيح ، فإن نبينا - صلى الله عليه وسلم - لم يخبرنا أنه سيكون شافعًا في قبره أيضًا ، وليس لدى من يزعمون ذلك دليل واحد من كتابٍ أو سنة . بل لم يصح حديث في الشفاعة لمن زار قبره .
صحيح أنه - صلى الله عليه وسلم - حي في قبره ولكن الأنبياء جميعهم يحيون حياة برزخية مختلفة عن حياتنا . فلماذا لم يخطر ببالكم أن تنادوا الأنبياء الآخرين: فتقولوا يا سليمان يا داود يا آدم يا يعقوب يا إسحاق: أغيثونا ، وقدّمتم عليهم الرفاعي والجيلاني والبدوي والدسوقي: أهؤلاء أحب إلى الله وإليكم - من أولئك ؟
(1) رواه ابن جرير عنه بسنده (الطبري المجلد الثامن ج 16 ص 97 .
(2) فتح الباري 11/97 .