فهرس الكتاب

الصفحة 130 من 1116

كيف كان توسل الصحابة ؟

وفي قضية التوسل بالنبي - صلى الله عليه وسلم - نسأل الأسئلة التالية:

السؤال الأول: هل طرأ التوسل بالنبي - صلى الله عليه وسلم - بعد موته أم كانوا يتوسلون به في حياته ؟ الجواب: لا شد أنهم كانوا يتوسلون به في حياته .

السؤال الثاني: إذا ثبت أنهم كانوا يتوسلون به في حياته فكيف كانت طريقة التوسل ؟ هل كان التوسل بذاته أم بدعائه ؟

السؤال الثالث: هل التوسل بالذات مجمع عليه أم مختلف فيه في عهدهم ؟ ومتى ابتدأ الخلاف ؟

إن الذين لا يجعلون فرقًا بين التوسل به - صلى الله عليه وسلم - حيًا وميتًا محجوجون بفهم الصحابة وفعلهم ، فإننا إذا اختلفنا في فهم سنته رجعنا إلى فهم السلف لها .

فقد ترك عمر التوسل بالنبي - صلى الله عليه وسلم - بعد موته أمام جمع من الصحابة ، فكان المشروع ما فعلوه لا ما تركوه ، والترك الراتب سنة متبعة ، وفاعل ما تركوه سالك غير سبيلهم .

فلقد أصيب الناس في عهده بالقحط فخرج بالناس للاستسقاء ثم قال"اللهم كنا إذا أجدبنا سألناك بنبيك - صلى الله عليه وسلم - فتسقينا ، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا" [1] . وفي رواية أنس"كانوا إذا قحطوا على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - استسقوا به ، فيستسقي لهم فيسقون ، فلما كان في عهد عمر.." [2] .

وفي هذا أكبر تكذيب لقول الأحباش"لم يكن بين المسلمين إنكار للتوسل بالرسول في حياته أو بعد وفاته: المسلمون مجمعون على جواز ذلك" (منار الهدى 32: 27) . فقد كره أبو حنيفة التوسل بالنبي - صلى الله عليه وسلم - على ما سترى . فأين هذا الإجماع المزعوم ؟ !

وقد ذكر الحافظ ابن حجر رواية تؤكد أن التوسل كان بدعاء العباس فقال عمر للعباس"قم واستسق لنا"فقال العباس"اللهم إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب ، ولم يُكشف إلا بتوبة ، وقد توجه القوم بي إليك لمكاني من نبيك ، وهذه أيدينا إليك بالذنوب ونواصينا إليك بالتوبة فاسقنا الغيث" [3] ". وهذا رد على من زعم أن توسل عمر بالعباس كان بالذات ، ولو كان بالذات لما كان ثمة حاجة ليأخذوا العباس معهم ولتوسلوا بمنزلته من النبي - صلى الله عليه وسلم - [4] . فهو توسل بفعل العباس لا بذاته ."

ومالك لم يكن يرى فرقًا بين حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - وبين موته فيما يتعلق بتوقيره وحرمة رفع الصوت في مسجده ، ولكنه مع ذلك كان يفرق بين حياته - صلى الله عليه وسلم - وبين موته فيما يتعلق بمسألة التوسل به - صلى الله عليه وسلم - ومسألة زيارة قبره حتى قال"وأكره أن يقال زرت قبر النبي - صلى الله عليه وسلم -".

(1) البخاري (1010) .

(2) أخرجه الإسماعيلي كما في فتح الباري 2: 495 وابن حبان: الإحسان 4/ 228 رقم (2850) .

(3) فتح الباري 2: 497 واحتج به العلامة الكشميري فيض الباري 2/ 379 والسبكي في شفائه (ص 172) وهو حجة عليه ، وانظر إتحاف السادة للزبيدي 5/ 48 و 3/ 444 .

(4) وقال بذلك العلامة محمد أنور الكشميري في فيض الباري 2/ 379 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت