بطلان قاعدة جواز التوسل بالمفضول
وقد أجابوا عن ترك عمر التوسل بذات النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن توسل عمر بالعباس إنما كان لتعليم المسلمين جواز التوسل بالمفضول مع وجود الفاضل . لو ثبت بإسناد صحيح ولو مرة واحدة أن واحدًا من الصحابة توسل إلى الله بميت لقلنا صدقتم ، بل الثابت توسلهم بدعاء العباس والأسود بن اليزيد مما يبطل زعمكم .
وهذا تعليل لا نسلم لكم به إلا بدليل يرد فيه هذا التعليل نصًا من كلام الصحابة . بل هذا اللتعليل ادعاء للغيب ، فإن عمر لم يقل شيئًا من ذلك ولا أحد من الصحابة ، فلم يبق إلا أن تدعوا أنكم تعلمون ما كان في قلب عمر ونيته .
ويلزمكم أن تبرهنوا على صحة هذا التعليل بأن تأتوا برواية صحيحة تثبت أن الصحابة استسقوا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - بعد موته ولو مرة واحدة حتى نوافقكم على هذه القاعدة ( التوسل بالمفضول مع جواز الفاضل ) .
? لأن تعليلكم ظن ، والظن لا يرفع الخلاف ، إذ الروايات تتضمن عبارة (كانوا) و (فلما) الدالان على عدول الصحابة عن الأمر الأول إلى الثاني ، والظنيات عند الأشاعرة لا يجوز دخولها في أمور العقائد التي تتطلب القطعيات ، وكان عليهم أن يحترموا عهودهم وأن لا يحتجوا في أمور العقائد بالمحتملات .
? أن الأمر { وَابْتَغُواْ } دليل على الوجوب ، لا ينصرف عنه إلى السنية إلا بدليل .
? أنه يمتنع في العادة أن يلجأ المضطر في حالة الشدة إلى الأدنى المشكوك فيه مع توافر الأعلى المضمون .
? أن ترك الصحابة التوسل بأنبياء آخرين يبطل قاعدة الخصم (جواز التوسل بالمفضول مع وجود الفاضل ) ، ويؤكد أن قول عمر ( كنا نتوسل بنبيك ) تفيد الماضي .
? أن أحدًا من هؤلاء اليوم لا يرضى أن يقول ما قاله عمر ( كنا نتوسل بنبيك ) لأن الواقع أنهم ما يزالون اليوم يدعون الناس إلى التوسل الذي عدل عنه الصحابة . وهذه علامة الضلالة ومخالفة السلف: أنهم يقولون اليوم ( لماذا لا نتوسل بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ) بينما قال عمر ( كنا نتوسل بنبيك ) .
? شبهة: وزعموا أن قول عمر (كنا) لا يفيد الماضي وإنما هو نظير قوله تعالى { وَكَانَ اللّهُ عَلِيمًا حَكِيما } والجواب:
أولًا: أنه لما قال عمر (كنا) لم يتوسل بالنبي - صلى الله عليه وسلم - مما يدل على أنه استعمل (كان) التي تفيد الماضي ، ولا أظن أن هؤلاء يجهلون تلك الحقيقة ولكن علم الكلام يورث المجادلة بالباطل
ثانيًا: ما حكاه الحافظ ابن حجر عن الراغب"أن (كان) عبارة عما مضى من الزمان . لكنها في كثير من وصف الله تعالى تنبئ عن معنى الأزلية كقوله تعالى { وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا } قال: وما"