وإذا كان توسل عمر بالعباس لقرابته ومنزلته فبماذا نفسر توسل معاوية بيزيد بن الأسود أمام جمع من الصحابة أيضًا ؟ [1] . ولئن كان لكم مخرج في الطعن بمعاوية فأي مخرج لكم في إقرار جموع الصحابة لفعله ؟
? شبهة: وزعموا أن عمر لم يبلغه حديث الضرير ولو بلغه لتوسل به ، وهذا باطل فقد كان توسل عمر بدعاء العباس أمام جمع من الصحابة وتكرر هذا الجمع للاستسقاء بموجب قول أنس (كانوا) مما يدل على الاستمرار [2] ، فهذا اتهام له وللمهاجرين والأنصار بجهل حديث الضرير أو اتهام لهم بالسكوت عليه .
? شبهة [3] : واحتجوا بقوله تعالى { وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا } مع مخالفتهم لما فهمه السلف منها حيث معناها المجيء إليه في حياته . فلا يجوز إحداث تأويل في آية أو حديث لم يكن على عهد السلف ولا عرفوه لأنه يلزم من ذلك الطعن بهم أنهم جهلوا الحق الذي اهتدى إليه الخلوف من بعدهم ، أو أنهم علموه ولكن كتموه عن الأمة .
? وقد ذم الله من تخلف عن هذا المجيء واعتبرهم منافقين مستكبرين غير مغفور لهم فقال { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ 5 سَوَاء عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ } .
? ولم يثبت أن أحدًا من الصحابة أتى قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - وسأله الاستغفار وهذا يقتضي دخول الصحابة في المنافقين المستكبرين وأن الله لن يغفر لهم لأنهم ما عملوا بهذه الآية ، بل ثبت تركهم للتوسل به بعد موته والتوسل بغيره .
ولا يعقل أن يعطل الصحابة تطبيق الآية ثم يأتي هؤلاء الخلوف ويفهمون منها ما لم يفهمه ولم يطبقه الصحابة .
? ثم إن إيجاب مجيء القبر على كل مذنب من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - تكليف بما لا يطاق ، فإن الأمة لا تستطيع مجيء القبر عند ارتكاب كل ذنب .
? أن في هذا الفهم إلغاء لدور الحج والعمرة ، بل يصير القبر حَرَمًا يحج إليه الناس . وحينئذ: فلماذا يحج الناس إلى مكة ؟ أليس ليعودوا من ذنوبهم كيوم ولدتهم أمهاتهم ؟ ولماذا يفعلون ذلك والآية تنص بزعمهم على وجوب حج المذنبين إلى قبره - صلى الله عليه وسلم - ؟ وكأنهم يقولون: من حج إلى قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه !!!
? ويلزم أن يصير القبر عيدًا ، بل أعظم أعياد المذنبين ، وهذا مخالفة للنبي - صلى الله عليه وسلم - فإنه نهى عن أن يُتخذ قبره عيدًا .
? أن الآية خاصة بحياة النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث نزلت فيمن ترك الرسول - صلى الله عليه وسلم - وتحاكم إلى الطاغوت فهو بذلك أساء إلى الرسول وترك حقا شرعيًا لا تتحقق التوبة منه إلا بالمجيء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وإعلان التحاكم إليه . فوضح من ذلك أن هذه الآية نزلت في المنافقين { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ }
(1) أخرجه ابن سعد في الطبقات 7/444 وأبو زرعة في تاريخ دمشق 1/602 وإسناده مسلسل بالثقات الكبار فهو غاية في الصحة .
(2) وهذه اللفظة المفيدة الدالة على الاستمرار تقطع الطريق على من زعموا أن فعل عمر يدل على جواز التوسل بالفاضل مع بقاء المفضول .
(3) تقدمت هذه الشبهة مع الإجابة عليها وإنما أوردتها لكثرة الاحتجاج بها في الاستغاثة بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وللتوسل به عند قبره