شبهة العبرة بعموم اللفظ
أما ما يدعيه القوم أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فأخبرونا:
ألم يكن الصحابة من هذا العموم ؟
وإذا كان الجواب: نعم .
فمن عمل بمقتضى هذا المفهوم الذي تزعمونه ؟ لقد تركوا التوسل به كما عند البخاري ولم يأتوا قبره ولم يثبت عن واحد منهم أنه جاء إلى قبره - صلى الله عليه وسلم - وطلب الاستغفار هناك بعد موته .
وهذا يؤكد أن هذا العموم قد انقطع بموته ولو كانت العبرة بالعموم لفعلوه بعد موته - صلى الله عليه وسلم - .
وإن كانت الآية عامة لزم منه أن خير القرون قد عطلوا هذا الواجب وتجاهلوه حتى جاء المتأخرون وعملوا به أو أنهم جهلوه وضلوا عنه وفقهه الخلف !
التوسل بالذوات من خصال المشركين
فأما التوسل بالذوات فإنه من خصال المشركين الذين كانوا يتخذون الصالحين وسيلة لهم ليقرِّبوهم إلى الله { وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى } ( الزمر3 ) أمثال ود وسواع ويعوق ويغوث ونسر .
قال ابن عباس في تفسير قوله تعالى { وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا } (نوح 23) هذه أسماء رجال أولياء صالحين من قوم نوح عليه السلام فلما ماتوا بنَوْا لهم الصور والتماثيل (البخاري 4920) . هذا باعتراف الأحباش .
وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد مال حدثنا مهران عن سفيان عن بن محمد بن قيس: أن يغوث ويعوق ونسرا كانوا قوما من بنى آدم ، وكان لهم أتباع يقتدون بهم ، فلما ماتوا قال أصحابهم: لو صورنا صورهم كان أشوق لنا إلى العبادة ، فصوروهم: فلما ماتوا ، وجاء آخرون: دب إليهم إبليس فقال: إنما كانوا يعبدونهم ، وبهم يسقون المطر ، فعبدوهم [1] .
فهؤلاء المشركون الذين قاتلهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان منهم من يعبد المصورة على صور الصالحين: ود وسواع ويغوث فيستسقون .
قبور الصالحين مبتدأ عبادة الأصنام
قال الحافظ ابن حجر في الفتح"وقصة الصالحين كانت مبتدأ عبادة قوم نوح لهذه الأصنام ، ثم تبعهم من بعدهم على ذلك" [2] . وذكر أنهم كانوا يتبركون بدعاء سواع وغيره من الصالحين . فكلما مات منهم أحد مثلوا صورته وتمسحوا بها . فعبدوها بتدريج الشيطان لهم [3] .
(1) - تفسير الطبري مجلد 12 ج 29 ص62 وانظر البخاري رقم ( 4920 ) تفسير سورة نوح .
(2) - وما زالوا إلى يومنا هذا .
(3) - فتح الباري 8: 668 - 669 .