فهرس الكتاب

الصفحة 136 من 1116

حديث توسل الأعمى بالنبي - صلى الله عليه وسلم -

قالوا: قد توسل الأعمى بالنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال"اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد"ثم نشأت الشبهة عندهم فقالوا: لو كان التوسل بالدعاء لما قال الأعمى"أسألك اللهم بنبيك"ولقال"أسألك اللهم بدعاء نبيك"فلماذا تضيفون ما لم ترد إضافته ؟

والجواب: أنه إذا كان الثابت توسلهم بدعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - حين كان حيًا وتوقفهم عن التوسل به إلى التوسل بدعاء غيره من بعده: فلا يعود ثم حاجة إلى تقدير مضاف لأن معنى التوسل والاستشفاع في عرف الصحابة ولسانهم هو التوسل بالدعاء لا بالذات والجاه ، ومن كان عنده ما يثبت توسلهم بالذات فليأت به .

? أن النبي - صلى الله عليه وسلم - هو الذي تعلمنا منه هذه الإضافة حين قال"إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها: بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم" [1] وعلّمنا أن الدعاء هو المقصود حين قال له"إن شئت دعوتُ لك"فقال الرجل"بل أدعه"ولكن المصرين على التوسل بالذوات لا يتعلمون وإنما يتجاهلون .

وتوسل الأعمى بدعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - هو أمرٌ مشروع لتوافر الأدلة عليه . ولابد من الوقوف في قصة الأعمى على فوائد مهمة:

? أن الأعمى ذهب إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ليطلب منه الدعاء ولو كان التوسل بالذات مشروعًا لم يكن ثمة حاجة للذهاب إليه إذ كان يكفيه أن يتوسل به من غير أن يذهب إليه . فيقول ( اللهم أسألك بنبيك"لكنه ذهب وطلب منه أن يدعو له ."

? أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وعده بالدعاء له فقال"إن شئتَ دعوتُ لك"فألحّ عليه الأعمى بالدعاء قائلًا"بل أدعُه". وهذا وعد من الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالدعاء للأعمى ، علّقه على مشيئته ، وقد شاءه الأعمى بقوله (بل أدعه) ويقتضي أنه دعا - صلى الله عليه وسلم - له , وهو خير من وفّى بما وعد ، يؤكد ذلك أيضًا قول الأعمى في دعائه الذي علمه الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يدعو به"اللهم فشفعه فِيّ"أي اقبل دعاءه فيّ . والشفاعة معناها الدعاء كما قال في لسان العرب"الشفاعة كلام الشفيع للملك في حاجة يسألها لغيره ، والشافع: الطالب لغيره ، يتشفع به إلى المطلوب ، يقال: تشفعتُ بفلان إلى فلان". وبهذا يثبت أن الأمر كان يدور على دعائه - صلى الله عليه وسلم - أو جاهه .

أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمره أن يتقرب إلى الله بعدة وسائل منها التوسل إليه بالعمل الصالح وهو"إحسان الوضوء""وإتيان ركعتين"يدعو الله عقبهما أن يستجيب دعاءه في أن يقبل دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - له . وهذا هو معنى قوله"وشفعني فيه"أي أدعوك أن تتقبل دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - لي .

? وهذه العبارة لا يفقهها الحبشي وأمثاله ، بل لا يريدون أن يفقهوها لأنها تنسف بنيانهم من القواعد وتكشف أن التوسل كان بدعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - وبالعمل الصالح لا بذات النبي - صلى الله عليه وسلم - . فإن شفاعة النبي - صلى الله عليه وسلم - للأعمى مفهومة عندهم ولكن ما معنى شفاعة الأعمى للنبي - صلى الله عليه وسلم - كما قال"وشفعني فيه"؟ علما بأن معنى الشفاعة في اللغة: الدعاء . إن معناها"اللهم اقبل دعائي في استجابة دعاء نبيك - صلى الله عليه وسلم - لي . ولا يمكن لأحد بعد موت النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يقول"اللهم اقبل شفاعته في"فهذا مذهب باطل لا يزعم أحد أن دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - حصل له وهو في قبره ."

? فاللغة والشرع يشهدان بصحة ذلك . ولكن ماذا نفعل في أناس تجنوا على اللغة والشرع ؟

ولنتأمل هذين الحديثين: فعن أنس وعائشة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال"ما من ميت يصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة كلهم يشفعون له إلا شُفّعوا فيه"وفي رواية ابن عباس"ما من مسلم يموت"

(1) رواه البخاري (2896) والزيادة عند النسائي 6/48 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت