فهرس الكتاب
فيقوم على جنازته أربعون رجلًا لا يشركون بالله شيئًا إلا شفعهم الله فيه) فمعنى شفعهم الله فيه أي قبل دعاءهم له . فيصير معنى"شفعني فيه"أي اقبل دعائي بأن تستجيب دعاءه .
? أن علماء الحديث كالبيهقي ذكروا هذه الحادثة ضمن معجزات النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو السر في حصول هذه المعجزة التي لم نسمع بعد موته - صلى الله عليه وسلم - مثلها بين الصحابة ولا بعدهم إلى يومنا هذا . السر هو دعاءه - صلى الله عليه وسلم - .
? أن من الصحابة من أصيبوا بالعمى بعد مماته - صلى الله عليه وسلم - كابن عباس وابن عمر، ولم يُعهد أنهم استعملوا هذا الدعاء ، بل تركوا التوسل به - صلى الله عليه وسلم - بعد موته وتوسلوا بدعاء العباس وغيره . وليس ثمة تفسير لذلك إلا افتقاد شرط دعائه - صلى الله عليه وسلم - وإلا فجاهه عند الله عظيم حيا وميتا .
هكذا فهم الصحابة التوسل: تركوا التوسل به إجماعا كما في قصة عمر يوم أجدبوا وسألوا الله بدعاء عمه العباس . فالثابت المروي عن جماعتهم في ترك التوسل به - صلى الله عليه وسلم - بعد موته أصح سندا مما نقل عن فعل أحد أفرادهم مما يعارض ذلك .
وكل هذه المعاني التي ذكرت دالة على وجود شفاعته بذلك ، وهو دعاؤه - صلى الله عليه وسلم - له أن يكشف عاهته ، وليس ذلك بمحظور ، غاية الأمر أنه توسل من غير دعاء بل هو نداء ، والدعاء أخص من النداء ، إذ هو نداء عبادة شاملة للسؤال بما لا يقدر عليه إلا الله تعالى ، وإنما المحظور السؤال بالذوات لا مطلقا بل على معنى أنهم وسائل لله سبحانه بذواتهم ، وأما كونهم وسائل بدعائهم فغير محظور، وإذا اعتقد أنهم وسائل لله عز وجل بذواتهم فسأل منهم الشفاعة للتقريب إليهم ، فذلك عين ما كان عليه المشركون الأولون" [1] ."
? أن قوله"يا محمد إني توجهت بك إلى ربي"أي أتوجه بدعائك الذي وعدتني به حين قلت"إن شئت دعوت لك". وهذا ما فعله الرجل فإنه توجه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وطلب منه أن يدعو له .
? فهو يُشهِد الله أنه توجه إلى نبيه - صلى الله عليه وسلم - ليسأل الله له وكأنه يقدم هذه الشهادةَ بين يدي سؤاله ربه ومثل هذا كثير في الدعاء كقوله تعالى { رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا } وتقديم أصحاب الغار عملهم الصالح بين يدي دعائهم لله
وهذا التوجه هو حكاية حال ، يحكي فيه أنه توجه وذهب إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فطلب منه أن يدعو ربه . ولم يسأله في غيابه كما يفعل أهل البدع .
? وهؤلاء يفهمون من قوله - صلى الله عليه وسلم -"ائت الميضأة"وكأن معناه عندهم ، اذهب إلى بيتك . ولم لا تكون الميضأة قريبة منه - صلى الله عليه وسلم - كما يفهم من سياق الرواية ، وليس هناك دليل على أن الأعمى ذهب إلى مكان آخر وصلى ثم دعا بهذا الدعاء ؟!
? وبتقدير أن يكون كلامه من بعيد . فيكون التوجه خطابًا لحاضر في قلبه وليس استغاثة كما نقول في صلواتنا (السلام عليك أيها النبي) وكما يقول أحدنا اليوم (بأبي أنت وأمي يا رسول الله) . وكما قالت فاطمة حين مات ( واأبتاه: أجاب ربًا دعاه". ودليل ذلك قوله في نهاية الدعاء(اللهم فشفّعه فِيّ ) أي اقبل دعاءه في ."
? فأما التوجه الذي يفهمه الأحباش أي التوجه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى جهة قبره بعد موته كما علمهم محمد بن حسن الصيادي الرفاعي أن من أصابته ضراء فليتوجه نحو قبر الرفاعي ويخطو ثلاث خطوات ويسأله حاجته [2] . فهذا من سنن النصارى.
? أما سنة نبينا فقد كان - صلى الله عليه وسلم - يستقبل القبلة في دعائه ويسأل الله وحده ، وكان يقول في دعاء الاستفتاح في الصلاة"وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين إن صلاتي (والدعاء صلاة) ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين". فالتوجه إلى الله بالدعاء هو الملة الحنيفية ، ودعوتكم الناس إلى التوجه إلى مقابر الأنبياء والأولياء هو ملة الشرك.
(1) جلاء العينين 455 .
(2) قلادة الجواهر 434 و 239 .