فهرس الكتاب
وإنما الخلاف في التوسل بالذوات وقد منعه أبو حنيفة وأصحابه . وأجازه ابن عبد السلام بشخص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دون غيره [1] فقال"ينبغي كون هذا مقصورًا على النبي لأنه سيد ولد آدم وأن لا يقسم على الله بغيره من الأنبياء والملائكة والأولياء لأنهم ليسوا في درجته وأن يكون مما خص به تنبيهًا على علو رتبته وسمو مرتبته". وهو جائز في إحدى الروايات عن أحمد. مع أن ابن تيمية يرويه عنه بصيغة التمريض ( رُوِيَ ) وتغافل الأحباش عن ذلك وألزموه بالتناقض [2] .
فما موقفنا نحن من اختلافهم . هل نترك المسألة هكذا من غير تصويب وترجيح أحد أقوالهم ؟
قال ابن تيميه"إن كان في العلماء من سوغه فقد ثبت عن غير واحد من العلماء أنه نهى عنه ، فتكون مسألة نزاع ، فيُردّ ما تنازعوا فيه إلى الله ورسوله" [3] ، كما قال تعالى { فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا } .
إننا نقول: قد توسل عمر بالعباس وترك التوسل برسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد موته أمام جمهور الصحابة وأقروه بلا إنكار واحد منهم ، فنحن مع تقديرنا للعز بن عبد السلام رحمه الله نرغب عن فتواه تمسكًا بما أجمع عليه أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - . فإن عدولهم عن التوسل بالنبي - صلى الله عليه وسلم - بعد موته إلى العباس (وكان آنذاك حيًا) دليل واضح على أن المشروع ما سلكوه دون غيره .
لذا فمن لا يفرق بين التوسل بالحي وبين التوسل بالميت نحتج عليه بتوسل الصحابة بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وهو حي ، فلما مات تركوا التوسل به وعدلوا عن التوسل به إلى التوسل بالعباس .
ومن لا يفرق بين التوسل والاستغاثة نحتج عليه بما روى البخاري عن نعيم"لا يستعاذ بمخلوق" [4] . وهذه حجة تبطل تلبيس أهل الباطل .
فقد وردت روايتان متعارضتان عن أحمد إحداها تجيز التوسل والأخرى تمنعه ولكن تحريمه للاستغاثة بغير الله ثابت ولم يرد عنه جواز الاستغاثة بغير الله لا من طريق صحيح ولا ضعيف. ولذا فإن من يحتج بأحمد في جواز التوسل بالنبي - صلى الله عليه وسلم - لا يستطيع الاحتجاج به في مسألة الاستغاثة .
(1) - انظر ( حاشية الهيتمي على الإيضاح 452 فيض القدير للمناوي 2 / 135 ) وفتاوى العز بن عبد السلام ص 126 .
(2) - منار الهدى 32: 64 .
(3) - قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ص 121 .
(4) - خلق أفعال العباد ص 123 .