فهرس الكتاب
-وأما احتجاج الأحباش بأنه ثقة لأنه كان خازن عمر فهذا توثيق في العدالة إن سلمنا به ، ولكن: أين الوفاء بشرط الضبط وقد علم من شرط الراوي: العدالة والضبط وليس العدالة فقط ؟
وحتى لو كان مالك ثقة فإن روايته تكون شاذة لمخالفتها رواية خروج عمر بالصحابة عام الرمادة وتصريحه على لسان جميع الصحابة بأنهم تركوا التوسل بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وطفق يتوسل بغيره - صلى الله عليه وسلم - هذه سنة عمر ، فان خالفها خازن عمر خالفناه وتمسكنا بفعل عمر . فكيف وأن السند لم يثبت !!!
-وأما قولهم أنه يكفيه توثيقًا أن عمر ائتمنه على خزائنه . فنقول: ألا يكفيكم توثيقًا لمعاوية أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد ائتمنه على وحيه ، وأن أبا بكر وعمر وعثمان قد ائتمنوه على ولاية الشام فكان أمينًا وفيا وما زلتم إلى اليوم تحكمون بفسقه تريدون بذلك تبييض وجوهكم عند أعداء معاوية وأبي بكر وعمر: سود الله وجوه أعداء صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
-وأما محاولة الأحباش توثيق مالك الدار محتجين بقول الحافظ عنه"له إدراك"أي معدود من الصحابة:
فقد تعقبهم شيخنا علي حسن عبد الحميد في كتابه القيم (كشف المتواري من تلبيسات الغماري ص 8) بأن"إيراد الحافظ لمالك الدار إنما هو في القسم الثالث من كتابه"الإصابة"وهو القسم الخاص في ذكر المخضرمين الذين أدركوا الجاهلية والإسلام ولم يرد في خبر . قط أنهم اجتمعوا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ولا رأوه ، سواء أسلموا في حياته أم لا ، وهؤلاء ليسوا صحابة باتفاق من أهل العلم بالحديث كما قال الحافظ نفسه في مقدمة (الإصابة 1 / 4) ومع ذلك فقد كتم هذا الجهول هذا كله ليسلم له مراده ، إمعانا في التضليل والتلبيس والتغرير: فقد دمج هذا الخسّاف بيانه وشرحه لكلمة الحافظ ابن حجر بها دونما فصل أو إظهار ، بل إنه- عامله الله بعدله- جعل علامة (انتهاء النقل أ. هـ) بعد ذلك البيان والشرح كله !!".
وقد ساق الحافظ ابن كثير هذه الرواية من رواية البيهقي في دلائل النبوة وهي معلولة بعلل منها:
عنعنة الأعمش وهو مدلس ، والمدلس لا يقبل من حديثه الا ما قال فيه: حدثنا أو أخبرنا ونحوها دون قال أو عن . إذ احتمال أنه أخذه عن ضعيف يوهي الحديث بذكره كما هو معلوم في"مصطلح الحديث"، مع أن الأعمش في الطبقة الثانية من المدلسين عند الحافظ و غيره .
وقد صحح ابن كثير الإسناد على طريقته في توثيق مجاهيل كبار التابعين كما هو معروف عنه في التفسير وغيره . وإذا كان مجهولًا فلا علم لنا بتاريخ وفاته .
ثانيًا: أن أبا صالح وهو ذكوان - الراوي عن مالك لا يعلم سماعه منه ولا إدراكه لمالك ، إذ لم نتبين وفاة مالك . سيما وأنه رواه بالعنعنة فهو مظنة انقطاع لا تدليس" [1] ."
ثالثًا: أنها مخالفة لما ثبت في الشرع من استحباب إقامة صلاة الاستسقاء لاستنزال الغيث من السماء . كما ورد في أحاديث كثيرة . ومخالفة لقوله تعالى { فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا 10 يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا } ( نوح 10 ) ولم ينقل عن أحد منهم أنه التجأ إلى قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - [2] ، بل المنقول الثابت عنهم عكس ذلك كما في قصة عمير المشهورة فإنه كان بمجمع من الصحابة ولم يذهب إلى قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - ليستسق به . بل طلب من العباس أن يستسقي كما مر معنا.
رابعًا: أنها جعلت عمر يضل عن شيء يهتدي إليه رجل من العامة .
? شبهة: واحتج الحبشي برواية سيف بن عمر التميمي الضبي وفيها تسمية صاحب القصة أنه الصحابي بلال بن الحارث .
أولًا: أن سيفًا هذا منكر الحديث فقد قالوا عنه إنه كان يضع الأحاديث، قال ابن عدي وأبو حاتم متروك الحديث وقال أبو داود ليس بشيء وقال ابن حبان يروي الموضوعات [3] .
ثانيًا: فيه الضحاك بن يربوع والسحيمي . قال الأزدي في الضحاك: حديثه ليس بقائم . وهو والسحيمي من المجهولين اللذين تفرد بالرواية عنهما سيف .
? وهذا يُبطل تمسك الحبشي بهذه الرواية التي توهم أن الصحابة كانوا يلجأون عند النوازل والشدائد بقبر النبي - صلى الله عليه وسلم - .
ثالثًا: أن إيراد ابن جرير لها وغيرها من الروايات الضعيفة والموضوعة إنما جرى فيه على جمع شتات الروايات من غير تمحيص لها . فقد قال في مقدمة تاريخه (1 / 8 ) "فما يكن في كتابي هذا من خبر ذكرناه عن بعض"
(1) - نقلا عن كتاب"هذه مفاهيمنا"للشيخ صالح آل الشيخ .
(2) - ا لتوسل 120- 122.
(3) - تهذيب التهذيب للحافظ ابن حجر 4: 295 وانظر مقالات الكوثري إظهار العقيدة السنية 524.