-وقوله"إذا مات فيهم الرجل الصالح"واضح التحذير مما يفعله الناس اليوم عند قبور الأولياء وواضح التشابه بين ما فعله اليهود في صالحيهم وبين ما يفعله جاهليوا هذه الأمة في أوليائهم . ولذلك علم النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه أن يهدموا القبور المرتفعة ويطمسوا الصور:
? فعن أبي الهياج الأسدي أن عليًا رضي الله عنه قال له"ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ أمرني أن لا أدع قبرًا مشرفًا (أي مرتفعًا) إلا سويته (بالأرض) ولا تمثالًا إلا طمسته" [1] .
وعن ثمامة بن شفي قال"كنا مع فضالة بن عبيد بأرض الروم بِرُودُس فتوفى صاحب لنا ، فأمر فضالة بقبر فسُوّي ، ثم قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأمر بتسويتها" [2] .
? وعن عبد الله بن شرحبيل بن حسنة قال: رأيت عثمان بن عفان يأمر بتسوية القبور فقيل له هذا قبر أم عمرو بنت عثمان فأمر به فسوي" [3] ."
ولهذا روي عن عمرو بن شرحبيل أنه قال عند موته"لا ترفعوا جدثي- يعني القبر- فإني رأيت المهاجرين يكرهون ذلك" [4] .
? وعن أبي بردة قال"أوصى أبو موسى حين حضره الموت فقال: إذا انطلقتم بجنازتي فأسرعوا المشي... ولا تجعلوا على قبري بناء [5] ."
وهذا كان سبب عبادة اللات . فقد روى ابن جرير بإسناده عن مجاهد { أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى } [ النجم 19 ] ، قال: كان رجل صالح يلتُ السويق للحجاج فلما مات عكفوا على قبره [6] .
ولأجل هذه العلة نهى الله عز وجل عن اتخاذ القبور مساجد لأن أصل صناعة صنم اللات نتجت عن تعظيم قبر اللات . ولهذا لعن رسول - صلى الله عليه وسلم - من اتخذوا
(1) مسلم (969) والترمذي ( 1049 ) (وأبو داود(3218) والنسائي 4 / 88 وطعن الكوثري والغماري في هذا الحديث على عادتهما في الطعن في روايات البخاري ومسلم مع الاستماتة في الدفاع عن روايات موضوعة معلولة عند الطبراني وغيره. والحديث من رواية مسلم وقد تلقته الأمة بالقبول ولم ينتقده إمام معتبر. فلقد أعل الكوثري الحديث بعنعنة حبيب بن أبي ثابت. مع أن للحديث طرقًا أخرى ليس فيها حبيب. (أنظر مسند أحمد 1 / 87 و 89 و 111 والطيالسي 16) .
(2) رواه مسلم رقم (968) 2 /666.
(3) رواه ابن أبي شيبة في المصنف 4 / 138 قال الألباني: وسنده صحيح.
(4) رواه ابن سعد في طبقاته 6/108 بإسناد صحيح.
(5) رواه أحمد في المسند 4 / 397 قال الألباني"وسنده قوي".
(6) تفسير القرطبي 17 / 66 تفسير الطبري مجلد 11 ج 27 ص 35.