شبهة [1] : واحتجوا بقوله تعالى { وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى } . قالوا: دلت الآية على مشروعية التوسل بآثار الأنبياء .
الجواب: أن الآية دلت على أنهم أنكروا ملك طالوت لأنه ليس من سلالة الملوك ، فقال لهم نبيهم إن صحة ملكه أن يأتيكم التابوت تسكنون لصحة كونه آية ، وفيه بقية مما ترك آل موسى وآل هارون تستدلون بهذه البقية على الصحة أيضًا فكان التابوت علامة على صحة ملك طالوت وليس تشريعًا من الله بجواز التوسل بآثار الأنبياء . وقد عرض ابن جرير الأقوال في الآية ثم قال"وأولى الأقوال بالحق في معنى السكينة ما قاله عطاء بن أبي رباح من الشيء تسكن إليه النفوس من الآيات التي يعرفونها ."
? أن هذا فهم فيه افتراء على الصحابة وطعن في فهمهم لكتاب الله ، فلماذا لم يفهم الصحابة من الآية ما فهمتم ؟ فإنهم أخذوا تفسير القرآن عن نبيهم - صلى الله عليه وسلم - ، ومع ذلك لم يكونوا يبعثون شيئًا من آثاره - صلى الله عليه وسلم - مع الجيش ليحصل لهم النصر به ، وكانت آثاره من ثيابه وسيفه ما زالت بينهم . فإنه لا يوجد أثر صحيح صريح يحكي حمل الصحابة شيئًا من آثار أنبيائهم في حروبهم يتوسلون به إلى ربهم . وهم أعرف بدين الله وأحرص على تطبيق آياته .
وأين هذا من قول عمر بن الخطاب"إنما هلك من كان قبلكم بمثل هذا يتبعون آثار نبيهم فيتخذونها كنائس وبيعًا". ورأى قومًا يتناوبون مكانًا يصلون فيه فقال: ما هذا ؟ قالوا مكانا صلى فيه رسول الله ، قال: أتريدون أن تتخذوا آثار أنبيائكم مساجد ، إنما هلك من كان قبلكم بهذا ، من أدركته فيه الصلاة فليصل وإلا فليمض" [2] . وبلغه أن أناسًا يأتون الشجرة التي بويع عندها النبي - صلى الله عليه وسلم - فأمر بها فقطعت" [3] . ونحن إذا اختلفنا في نص عدنا إلى فهم الصحابة له وعملهم به .
وعلى افتراض أن القصة تعني ما زعم هؤلاء فأين يجزمون أن شرع من قبلنا شرع لنا ؟ وكيف يكون شرعًا لنا وقد جاء في شرعنا ما يخالفه ، فلم يكن
(1) - اقتضت الضرورة تكرار هذه الفقرة وقد تقدمت في باب التوسل.
(2) - أخرجه ابن وضاح القرطبي في كتاب البدع والنهي عنها 41 واللفظ له وابن أبي شيبة في المصنف 2 / 376 وقال الألباني"رواه سعيد بن منصور في سننه وابن وضاح بإسناد صحيح على شرط الشيخين، أنظر تخريج أحاديث فضائل الشام ودمشق للربعي ص 49 ووفاء الوفا للسمهودي 4 / 1412."
(3) - قال الحافظ في الفتح ( 7 / 448 ) "إسناده صحيح".