وكيف يفهم عاقل بعد قوله - صلى الله عليه وسلم -"كل بدعة ضلالة"أن منها ما هو"بدعة هدى"؟ بل منها ما هو بدعة واجبة كما قال ابن عابدين"قد تكون البدعة واجبة" [1] .
البدعة وردت شرعًا على مورد الذم
ولم يرد ذكر البدعة على لسان نبينا - صلى الله عليه وسلم - إلا على مورد الذم:
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله"البدعة في عرف الشرع مذمومة بخلاف اللغة فان كل شيء أحدث على غير مثال يسمى بدعة سواء كان محمودا أو مذموما" [2] وأن المعنى الشرعي للبدعة يختص بما هو مذموم فقط [3] . ومثله قال السبكي كما حكاه عنه الزبيدي [4] .
وقرينة الحال تؤكد أن تداول لفظ مبتدع يستعمل للنقد والطعن هذا هو الأصل فلا يوصف رجل بأنه مبتدع إلا والمقصود منه ذمه وتجريحه ، وإذا وصف جماعة بأنهم أهل البدع وفرق البدع فإنه يتبادر إلى الذهن الذم ، ولم نعهد رجلًا يوصف بالمبتدع ثم يقول: أي البدعة تريدون هل تقصدون السيئة أم الحسنة ، بل يتبادر إليه السيئة لعلمه بأنها لفظ يستكمل للذم لا للمدح .
ولهذا إذا ترجم الأحباش لشيخهم قالوا"كان شديدًا على أهل البدع"فهذا يدل على أنهم إذا أطلقوا لفظ البدعة يريدون به البدعة المذمومة .
? أن من المشايخ من إذا ارتقى المنبر بدأ خطبته بالمقدمة المعروفة"وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار". فإذا نزل عن المنبر قال للمنكرين على البدعة"ليست كل بدعة ضلالة وإنما البدعة تنقسم إلى بدعة حسنة وبدعة ضلالة"فتارة يستدل بشمول ( كل ) وتارة يستنكره .
وقد فهم السلف الصالح من كلامه - صلى الله عليه وسلم - ذم البدعة مطلقا فقد:
-قال عبد الله بن عمر"كل بدعة ضلالة وان رآها الناس حسنة" [5] .
(1) - رد المحتار 1 / 376 .
(2) - فتح الباري 13 / 252 - 254 .
(3) - فتح الباري 278:13.
(4) - إتحاف السادة المتقين 3 / 421 .
(5) - رواه اللالكائي في شرح أصول السنة رقم (126) .