-وهكذا يبقى الاتباع مقياس المحبة ودليلها . فإنه لا يمكن الجمع بين محبة سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - وبين الزيادة على سنته بل وعلى كتاب ربه سبحانه وتعالى ، لأن الاتباع هو مقياس الحب .
سن خبيب ركعتين عندَ القتل
وأما احتجاجه بقصة خبيب حيث طلب من قريش أن يأذنوا له أن يصلي ركعتين قبل أن يقتلوه فلا تخدعنك استنباطات الحبشي الباطلة ، فإن الصلاة خير موضوع وهي خير ما يفعله من يعلم أنه يموت بعد لحظات . وإنما أراد خبيبًا أن يفارق الدنيا على خير حال ، ولم يفهم السلف من فعل خبيب ما يفهمه الحبشي وإلا لأحدثوا بدعة الموالد وبدع التصوف ، بل كانوا أشد أهل الإسلام على أهل البدع . فهل تجيزون لقائل أن يقول: كان الصحابة يبتدعون في دين الله ؟ إن كنتم قلتموها فأنتم زنادقة .
أن فعل الصحابة كان موقوفًا على إقرار النبي - صلى الله عليه وسلم - له ، وكان فعل خبيب قبل نزول آية كمال الدين وتمام النعمة وأما بعدها مما ابتدعه الخلف فمن أين لهم أن يعلموا إن كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقره أو ينهى عنه ؟ أبالكشف الصوفي ؟
ولئن أقر النبي - صلى الله عليه وسلم - فعل خبيب وبلال في الصلاة بعد كل وضوء فانه لم يقر البراء بن عازب على خطئه في الدعاء"آمنت بكتابك الذي أنزلت وبنبيك الذي أرسلت"قال البراء"فجعلت استذكرهن: وبرسولك الذي أرسلت . فقال - صلى الله عليه وسلم -: لا ، وبنبيك الذي أرسلت" [1] .
ولم يقر النبي - صلى الله عليه وسلم - عثمان بن مظعون على التبتل وسماه رهبنة ، ولم يقر الصحابة على اتخاذ ذات الأنواط .
فمن أين تضمنون إقرار النبي - صلى الله عليه وسلم - لبدعكم وقد مات ؟ وقد بلغكم قبل موته أن البدعة في الدين مردودة ؟ هل الأمر في حاجة إلى الابتداع أم أنه التشغيب الذي جعلكم الشيطان أداته ؟ ألا يكفيكم ما شرعه الله من أبواب الخير والطاعات حتى تحتاجوا إلى زيادة بدعية , والعبادات المبتدعة مردودة في الدين !!
-أترضون أن يقال عنكم أنكم أهل بدعة لأنكم تجيزون بالدفاع عن البدعة أم أنكم تكرهون أن توصفوا بذلك ؟ فعليكم أيضًا أن تكرهوا أن يقال: إن من السنة جواز البدعة .
استدلاله بابتداع الطرق الصوفية
أما احتجاجه بابتداع الطرق الصوفية فما أقبحه من استدلال . فيعلم الله ما أفسد البلاد والعباد إلا هذه الطرق ، وكلمة التصوف واحدة ولكن ينضوي تحتها مئات الطرق المختلفة ، بينما طريق الله واحد { وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ } [الأنعام 153] .
الطرق التي يتحدث عنها هي السبل التي نهى الله عنها والتي تجمع بين التشيع والرهبنة وخرافات الملل القديمة .
ومن أراد الوقوف على حقيقة هذه الطرق فليرجع إلى كتابَيّ"الرفاعية"و"النقشبندية"ليرى انحرافهم واقترابهم من الشيعة وموالاتهم لأعداء الدين . فالطريقة التيجانية لها سجل حافل بالخيانة وموالاة الاستعمار الفرنسي ، والرفاعية كانوا بالأمس يوالون التتار ، وأحفادهم يكملون المسيرة فيتولون سائر الملل ويلوحون بعصاهم أمام من يعترض طريقهم"قرصنة باسم الدين".
إعراض المسلمين سببه التدين المشوه
ويكفي أن المسلمين تحللوا من الدين بسبب ما رأوه من الخرافات باسم الدين ، حتى صار الدين دَروَشة و جنونا ورقصًا وهزًا وتواشيح دينية واستئجارًا للمطربين لعمل الموالد .
وهم لا يستطيعون الاعتراض على هذا الشذوذ وإلا واجهوا مجموعة من المتعصبين الذين يتقنون الجدل ويتهمونهم بالاعتراض على الله ومحاربة الأولياء ، فكان الإعراض والانحلال من الدين هو الطريقة الأمثل والأسلم بالنسبة لهم .
الاحتجاج بالزيادة في صيغة الأذان
ومن البدع التي يحتج بها الحبشي: الجهر بالصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد الأذان والذي أُحدث في القرن الثامن ، ولم يكن معمولًا به من قبل" [2] ويجاب عن ذلك بما يلي:"
? إن كانت الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - مطلوبة بعد الأذان استدلالًا منكم بحديث"فقولوا مثلما يقول المؤذن ثم صلوا علي"هل فهمه الصحابة على نحو ما تفهمونه ؟ لماذا لم يفهموا من الحديث الجهر بالأذان ؟ ثم كيف كان أذان بلال أيام النبي - صلى الله عليه وسلم - ألا يسعنا ما وسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ؟ قال ابن كثير"ومن لم تَسَعْه طريقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وطريقة المؤمنين السابقين فلا وسَع الله عليه" [3] .
? نص الحافظ ابن حجر على أن الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - ليست من الأذان لا لغة ولا شرعًا [4] وذم ابن الجوزي فعلها [5] وذكر الشعراني [6] أنها أحدثت أيام الفاطميين الروافض [7] ، بل قد جزم السيوطي بأن الصلاة على النبي بعد العطاس بدعة مذمومة [8] . فهل تعتبرون السيوطي في نهيه عن الصلاة على النبي بعد العطاس وهابيًا ؟ وهل نهى عنها لكراهيته للنبي - صلى الله عليه وسلم - أم لكراهيته للابتداع في الدين !!
? لماذا استحسنتم الصلاة على النبي بعد الأذان ولا تفعلون ذلك بعد الإقامة ؟
? ولماذا تصلون عليه بعد الأذان ولا تصلون عليه عندما تقولون أثناء الأذان: أشهد أن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - رسول الله ؟ أليست الصلاة عليه تكون بعد ذكر اسمه مباشرة ؟
وما المانع أن تقولوا أثناء الأذان: أشهد أن لا إله إلا الله (سبحانه وتعالى) هل تحرمون علينا أن نسبح الله وننزهه أثناء الأذان ؟
? وإليكم سؤالًا أستفتي به"سلطانكم" [9] : ما حكم من يصر على زيادة صيغة الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - وسط هذه الآية يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ [ - صلى الله عليه وسلم - ] إِلَّا أَن يُؤْذَنَ
(1) رواه البخاري رقم 6311 وكذلك مسلم .
(2) صريح البيان 80 .
(3) تفسير القرآن العظيم لابن كثير 4/619 .
(4) فتح الباري 2/ 92 .
(5) تلبيس إبليس 146 .
(6) لربما قيل لنا إنكم تحتجون علينا بالسيوطي والهيتمي والشعراني في حين تخالفونهم في مسائل أخرى فإما أن توافقوا كل كلامهم وإما أن لا تحتجوا بهم . والجواب أن منهجنا يدور مع الرجال حيث داروا مع الحق فإذا خالفوه خالفناهم ولا يقال إنه يجب الأخذ بكل كلام الأئمة ولكن إذا كان في قولهم ما يخالف كلام الله ورسوله تركنا قولهم . وهذا معنى قول مالك: كلٌ يؤخذ من قوله ويُرَدُّ عليه إلا صاحب هذا القبر ، فهذه طريقتنا التي ندين اللهَ بها ، بخلاف طريقة أهل التقليد الذين يحتكمون عند التنازع إلى التقليد ويتمسكون بأقوال الرجال ، فالحجة تلزمهم ولا تلزمنا .
(7) نقلا عن الإبداع في مضار الابتداع للشيخ محفوظ 175.
(8) أنظر الحاوي للفتاوى 1/338 .
(9) من ألقاب الحبشي عند أتباعه .