لَكُمْ إذا أجاز ذلك فقد زاد على ما أوحاه الله ، وإن رفض ذلك - ولا مفرّ له من الرفض - حكمنا عليه بأنه صار وهابيًا يكره الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - فهذا تشويشكم ، مقابل تشويشكم ، فإننا نرفض زيادة صيغة الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد الأذان للمؤذن اقتصارًا منا على أن تبقى صيغة الأذان بنفس اللفظ الذي أوحى به الله بنفس الأذان ما الذي ثبت عليه بلال بلا زيادة .
إن كان المانع هو التمسك بالنص الثابت فنحن لا ننازعكم إلا لهذا السبب . لكنكم تتناقضون فتارة تتمسكون بالنصر وتارة تزيدون عليه .
? ثم لماذا لا توافقون على زيادات الشيعة في الأذان فتزيدون في الأذان ( أشهد أن عليًا بالحق ولي الله ) ؟ ألسنا أهل السنة نشهد أنه ولي الله حقًا ؟
? ثم لماذا لا تزيدون على الأذان (حي على خير العمل) أليست الصلاة خير العمل ؟ ألم يقل النبي - صلى الله عليه وسلم -"واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة" [1] .
? بأي قانون تحرمون على العبد أن يزيد في الأذان ما يشاء وبأي وجه تمنعون الشيعة الروافض من الزيادة التي أحدثوها ؟
? وأما الاستدلال بما رواه أبو داود عن ابن عمر أنه كان يزيد في التشهد"وحده لا شريك له"ويقول: أنا زدتها [2] فهذا الحديث عند أبي داود برقم (971) غير أن من يراجع الحديث الذي يليه (973) فسيجد أن هذه الزيادة من قول النبي - صلى الله عليه وسلم - وليست من زيادة ابن عمر"فلماذا التلبيس على عامة الخلق ؟ ليس هذا من الأمانة العلمية ولا من خدمة الحديث ."
? أنه كان من الواجب الاقتصار والوقوف على ما أوقفنا عنده الشارع الحكيم ، وأن لا يكون حالنا كمن قال الله عنهم { فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمْ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ } [ الجاثية 17 ] فنُحدث زيادة على السنن مما يؤدي إلى التفريط في الواجب والوقوع في المحرّم: وهو تفريق كلمة المسلمين وبث النزاعات بينهم والتشويش والتلبيس عليهم في دينهم.
لقد جاءنا العلم بصيغة الأذان ، ثم جاءت طائفة تدافع عن الزيادات والإضافات عليه من بعد ما جاءهم العلم من عند الله . فننشدكم الله أيها الصادقون أن لا تسهموا في الوقوع بمثل ما زلت به أقدام الأمم من قبلنا .
? وصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمرنا إذا سمعنا المؤذن أن نصلي عليه وصحيح أنه لم يقل (صلوا عليّ سرًا ) كما قال الحبشي [3] لكن الأذان في عهده بقي من غير الصلاة عليه ، فلماذا لا نجمع بين الأمرين بأن لا نزيد على صيغة الأذان ونصلي عليه كما أمرنا من غير أن يجهر المؤذن بذلك ؟!
الاحتجاج بالأذان الثاني يوم الجمعة
واحتج الحبشي بأن عثمان رضي الله عنه أمر بالأذان قبل أذان الجمعة ولم يكن مشروعًا قبل ذلك. والجواب:
? أن فعل عثمان سنة شرعية نص عليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقوله"عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي" [4] .
? أنه لا يجوز أن يقاس عثمان بغيره ، فلا يجوز لأحد أن يقول يجوز لي أن أبتدع بدليل أن عثمان ابتدع في دين الله كذا . . .
? أن عثمان فعل ذلك لمصلحة عارضة حين كثر المسلمون وتباعدت مساكنهم ، يبين ذلك ما جاء في رواية السائب بن يزيد عند البخاري"فلما كان عثمان وكثر الناس زاد النداء". وهذه علة يدور معها معلولها ، فإذا وجدت وجد ، وإذا انتفت انتفى .
? ولذا لم ير علي رضي الله عنه نفس الشيء وهو بالكوفة ، فكان مقتصرًا على الأصل [5] .
الاحتجاج ببدع الرهبانية
ويحتج الحبشي وأصحابه بما زعموا من ثناء الله على رهبان النصارى لابتداعهم الرهبانية . مع أن السياق واضح في الذم:
فإن السلف لم يفهموا من هذه الآية جواز ارتكاب البدع ، ولم يفعلوا البدع أصلًا ، فقد عرف العالم والجاهل أنهم كانوا أبعد الناس عن البدعة ولم يكونوا يأذنون ببدعة بناء على هذه الآية ، فإما أن يكون قد فاتهم خير البدعة لجهلهم أو لكسلهم وإما أن تكونوا على خلاف سنتهم ومنهجهم .
? وأيضًا فلو كانت الرهبانية التي ابتدعها الرهبان خيرًا لشرعها الله لهم ، لكنه قال { مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ } والله لا ينتظر من عباده حتى يشرعوا لأنفسهم سبل الهدى ، بل ما من خير في دينهم ودنياهم يقربهم إلى ربهم إلا ويدلهم عليه ، ولكن هؤلاء شددوا على أنفسهم كما قال ابن الجوزي والتزموا الزهد والانقطاع عن النساء واعتزال الخلق وذلك جهلا منهم لكنهم لم يلتزموا بما قطعوه على أنفسهم [6] .
وكانوا على جهل لكنهم ابتغوا رضوان الله بذلك فآتاهم الله أجر صحة مقصدهم ولم يؤاخذهم لجهلهم ، وكانوا على جهل بالدين ولذلك قال تعالى {فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ } . بخلاف اليهود المغضوب عليهم إذ كانوا مع علمهم بالكتاب ينحرفون عنه ، فالناس مؤاخَذون بمقتضى علمهم وجهلهم . ومن عمل عملا يتقرب به إلى الله مع جهله فإنه يؤجر على حسن نيته ويعفى عنه لجهله مع حسن المقصد .
غير أن الحبشي وغيره حين يتمسكون برهبانية النصارى يتجاهلون ذم نبينا - صلى الله عليه وسلم - للرهبنة وبراءته من تنطعها وغلوها حتى قال"لا تكونوا كرهبانية النصارى" [7] ، وأوصى برهبانية من نوع آخر قائلا"وعليك بالجهاد ، فإنه رهبانية الإسلام" [8] . ففرّق بين رهبانية النصارى ورهبانية الإسلام .
وقال لعثمان بن مظعون"يا عثمان إني لم أُبعث بالرهبانية وإن خير الدين عند الله الحنيفية السمحة"وفي رواية"إن الرهبانية لم تُكتَب علينا: أفما لك أسوةٌ فِيَّ" [9] . فالكتاب والسنة صريحان في ذم الرهبنة وأنها على خلاف الملةَ الحنيفية .
(1) رواه أحمد وابن حبان بسند حسن بمجموع طرقه .
(2) صريح البيان 75 .
(3) - رسالة الدر المفيد في دروس الفقه والتوحيد ص 7 جمعها كنعان الدبوسي من أشرطة الحبشي.
(4) - رواه أبو داود والترمذي وقال"حديث حسن صحيح"وهو كما قال. أنظر صحيح الجامع الصغير (2549) .
(5) عن كتاب إشراقة الشرعة في الحكم على تقسيم البدعة للأخ أسامة القصاص رحمه الله، فقد كان شوكة في وجه الأحباش ثم قرر"المجرمون"التخلص منه ففتل ومثل بجسده وأزيح عن الدرب وظن من ظن أنه لم يبق ثم شوكة أمام أهل البدع ولكن سلط الله عليهم من يكمل مسيرة الشيخ أسامة.
(6) زاد المسير 8 / 176 - 177 .
(7) رواه البيهقي في السنن 7 / 78 بسند حسن وله شواهد .
(8) رواه أحمد 3/82 بإسناد صحيح ( سلسلة الأحاديث الصحيحة 3/82 ) .
(9) وهذه الروايات حسنة الإسناد أنظر سلسلة الصحيحة 4/385 .