فإذا كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يصرّح بأن"الرهبانية لم تُكتَب علينا"وإذا كان القرآن ينص على أن الله ما كتبها على الذين من قبلنا فمن أين أتى المبتدعة بهذا الثناء المزعوم ؟
أرأيتم كيف ينحرف هؤلاء عن صريح النصوص كقوله - صلى الله عليه وسلم -"كل بدعة ضلالة"ويتعلقون بالمتشابه منها ابتغاء فتنة الناس عن الاتباع وإغرائهم بالبدع.
من سن في الإسلام سنة حسنة
واحتج الحبشي وغيره بقوله - صلى الله عليه وسلم -"من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها .." [1] .
فائدة مهمة
? وقد فسروا قوله - صلى الله عليه وسلم -"من سن سنة حسنة"أي من ابتدع بدعة حسنة . فعلى قولهم يصير معنى قوله - صلى الله عليه وسلم -"كل بدعة ضلالة"أي"كل سنة ضلالة"لأن السنة هي معنى البدعة بزعمهم .
? وهذا افتراء على الرسول - صلى الله عليه وسلم - فإنه لما تكلم عن البدعة سماها باسمها"بدعة"ولم يستعر لها لفظ (سنة) فهل عندكم دليل يقيني على أنه أراد بالسنة البدعة ؟ أم أنه احتمال على غرار ما عندكم من المحتملات في العقيدة وهو خلاف أصلكم أن لا يحتج في العقيدة إلا بما كان قطعي السند قطعي الثبوت .
علامة ضلالة أهل البدع أنهم يقسمون البدعة مع عدم تقسيم النبي - صلى الله عليه وسلم - لها وإنما اقتصر على أن قال"كل بدعة ضلالة"ولم يقل: كل بدعة بحسب أقسامها الخمسة .
بينما يهربون من تقسيم النبي - صلى الله عليه وسلم - للسنة عند احتجاجهم بحديث"من سن في الإسلام سنة حسنة ..."فلا يكملون قوله - صلى الله عليه وسلم -"ومن سن في الإسلام سنة سيئة"وربما أكملوه من غير أن يفقهوه ، لأن ورود لفظة"السنة السيئة"في الحديث ينسف احتجاجهم حيث يوهمون الناس أن المقصود بها السنة الشرعية ، وليس في سنة رسول الله الشرعية سنة سيئة .
ففي البدعة يقسمون ما لم يقسمه - صلى الله عليه وسلم - ، وفي السنة يتجاهلون ما قسمه - صلى الله عليه وسلم - .
وكأنهم يتمنون لو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قسّم البدعة إلى حسنة وسيئة ولم يقسم السنة إلى حسنة وسيئة .
فتأمل هذا واعتبر بحال أهل البدع: كيف يؤفكون ويُصرفون ولا يعقلون .
ا- ونرد عليكم دائمًا بفهم السلف لنصوص الكتاب والسنة فإنهم لم يفهموا من حديث"من سن سنة حسنة"ما فهمتم من جواز الابتداع في الدين وعمل الموالد وزيادة صيغة الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد الأذان ، مع حرصهم على الخير ومسابقتهم إليه وتنافسهم عليه ، فهل هو خير سبقتموهم إليه أم بدعة أحدثتموها من بعدهم ؟
فلنقارن فهمكم بفهمهم ومن ثم عملكم بعملهم ، فلو فهموا من ذلك ما فهمتم لابتدعوا ما ابتدعتم .
ولو كان هذا الذي يفهمه الناس هو الفهم الصحيح للحديث لصار في قول النبي - صلى الله عليه وسلم -"فمن رغب عن سنتي فليس مني"تناقضًا واضحًا وتحريضًا على الإعراض عن السنة ، وثناءً منه على من رغب عن سنته . فبينما يقول"عليكم بسنتي"داعيًا إلى التمسك بها والعض عليها بالنواجذ والقبض عليها كالقبض على الجمر يدعونا هنا إلى الأخذ بأي سنة يسنها من شاء من المسلمين لا بالتقيد بسنته - صلى الله عليه وسلم - وحده !
وإنه لمن الضروري فهم المعنى اللغوي والشرعي للفظ"السنة"وأؤكد دائمًا على ضرورة تفصيل معاني الألفاظ والمصطلحات قبل الدخول في المناقشة لأن هذا يحل كثيرًا من المشكلة .
فينبغي ضرورة الاطلاع على الحديث بكامله وتحريم اقتطاع عبارة منه مما ينتج عنه تغيير معنى الحديث وتحريفه عن المعنى الذي قصده النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وما لم نقرأ الحديث بطوله لن نستطيع أن ندرك معناه: فإن معنى الحديث ومناسبته يدور حول من عمل بسنة لا من اخترع سنة .
(1) صريح البيان 74 .