فهرس الكتاب

الصفحة 251 من 1116

عن جرير بن عبد الله البجلي أنه دخل على النبي - صلى الله عليه وسلم - قوم مجتابو النمار متقلدو السيوف عامتهم من [ قبيلة مُضَر ] فتغير وجه النبي - صلى الله عليه وسلم - بسبب ما رآهم عليه من الفاقة والحاجة الظاهرة في ملابسهم الممزقة فصعد المنبر وحث على الصدقة"فجاء رجلٌ من الأنصار بِصُرَّةٍ كادت كفه أن تعجز عن حملها بل قد عجزت ، ثم تتابع الناس ، حتى رأيت كَوْمَيْنِ من طعامٍ وثياب"فتهلل وجه النبي حين رأى تتابع الناس في الصدقة بعدما شجعهم ذاك الرجل الأنصاري فقال الرسول حينئذ"من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها ، من غير أن ينقُص من أجورهم شيء ، ومن سن في الإٍسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده" [1] .

? ولا شك أن هناك ارتباطًا بين قول النبي - صلى الله عليه وسلم - وبين فعل ذاك الأنصاري الذي شجع المسلمين على الصدقة .

ولهذا نسأل: ما هي السنة التي سنها ذاك الأنصاري: هل ابتدع بدعة (ومعنى البدعة إحداث شيء على غير مثال سابق ) أم أنه ذكَّر الناس بسنة (وهي خصلة الصدقة) قد شرعها الله في كتابه وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - ! فسياق الحديث واضح لكل من لم يجعل الله على قلبه أكنة أن يفقهه وفي أذنيه وقرًا ، أن ما فعله الصحابي سنة مشروعة دعا إليها بفعله . مما يدل على أن السنة الحسنة ليست بمبتدعة ، وأن قوله - صلى الله عليه وسلم -"من سن سنة حسنة"معناه: من عمل بسنة ، لا من اخترع سنة ، ومن هنا تعلم انحراف مستحسني البدع إذ يستدلون بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - دون إيراد مناسبة الحديث الدالة على معناه [2] .

الحجة الدامغة

? ومن الواضح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقسّم البدعة إلى حسنة وسيئة ، مع أنه قسّم السنة إلى سنة حسنة وسنة سيئة .

وأهل البدع لا يفقهون لماذا منع التقسيم في البدعة ولم يمنع في السنة . وإذا قيل لهم ما دليلكم على البدعة الحسنة قالوا دليلنا حديث"من سنّ في الإسلام سنة حسنة".

فحينئذ نقول: إذا كانت (البدعة) معنى (السنة) فما رأيكم لو قلنا لكم: إن معنى قوله - صلى الله عليه وسلم -"كل بدعة ضلالة"أي"كل سنة ضلالة"!!!

? أن السنة في المعنى الشرعي لا تكون إلا حسنة ، والبدعة في المعنى الشرعي لا تكون إلا سيئة . وهذا دليل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقصد بلفظ (السنة) المعنى الشرعي ، وإنما المعنى اللغوي فقط . ولو قلنا إن المعنى شرعي لجاز لكل واحد أن يستحدث سنة من عنده ويُدخلها في الدين . ولهذا ورد تقييد لفظ (السنة) بالمعنى الشرعي في قوله - صلى الله عليه وسلم -"عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي".

ولأن السنة الشرعية لا تقبل التقسيم إلى سنة حسنة وسنة سيئة .

فما سنه الله وما أجمع الخلفاء الراشدون على سنه هو حسن دائمًا .

ولذلك لم يكن هناك خوف من استخدام المعنى اللغوي للسنة ما دام معلومًا بالبديهة عند كل عاقل أن سنة الله ورسوله والخلفاء الراشدين لا تقبل التقسيم إلى حسن وسيئ ، أما خصال الناس وأعمالهم فمنها الحسن ومنها السيئ فما كان منها موافقًا لما سنه الله ورسوله فهو حسن ، وما كان مخالفًا لما سنه الله ورسوله فهو السيئ .

(1) مسلم (1017) النسائي 5/75 .

(2) عن كتاب علم أصول البدع 134 لأخينا الفاضل علي حسن عبد الحميد .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت