فهرس الكتاب

الصفحة 252 من 1116

والذي فعله ذاك الأنصاري ليس شرعة جديدًا ولا بدعة سبق بها كتابَ الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - ، وإنما حثهم على ما نص على أصله الكتابُ والسنة . ولهذا جاء في رواية أخرى"من دعا إلى هدى فله أجره وأجر من عمل به ، ومن دعا إلى ضلالة .."والهدى لا يكون إلا ضمن ما شرعه الله ورسوله .

? أن الجمع بين الحديثين"من سن في الإسلام سنة حسنة"وحديث"كل بدعة ضلالة"أولى من ضربهما ببعض وأولى من تحريفهما بتحريف معانيهما . فالأحاديث يفسر بعضها بعضا ، وهذا الحديث"من سن في الإسلام سنة حسنة"يفسره قوله - صلى الله عليه وسلم -"من دعا إلى هدى"وهو السنة الحسنة . وقوله - صلى الله عليه وسلم -"ومن دعا إلى ضلالة"وهي السنة السيئة . وهنا تدخل البدعة ، لأن الدعوة إلى البدعة دعوة إلى ضلالة .

ولا يمكن أن يكون معنى"من سن في الإسلام سنة حسنة"أي من ابتدع في الإسلام بدعة حسنة " لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال"كل بدعة ضلالة"ولم يقل كل سنة ضلالة . فمن جعل هذا هو معنى ذاك فقد أبعد النجعة وحرف الكلم عن مواضعه ."

عودته إلى التحسين والتقبيح العقليين

-واستدل الحبشي برواية"ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن ، وما رآه المسلمون سيئًا فهو عند الله سيئ".

والجواب على ذلك:

-أن هذا ليس بحديث ولم يصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وإنما ورد موقوفًا على عبد الله بن مسعود [1] .

والذين يتمسكون بقول ابن مسعود مخالفون لفهمه وعقيدته ، فإنه لم يقصد من ذلك تجويز البدعة بدليل قوله"اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كُفِيتُم" [2] . وقوله"ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم" [3] . فهل يوافق المتمسكون برواية"ما رآه المسلمون حسنًا"على قوله"اتبعوا ولا تبتدعوا"ورواية"ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم"؟!

-أن مناسبة هذا القول من ابن مسعود"ما رآه المسلمون .."كان منه عند الاختلاف على الخليفة بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - فقد روى الحاكم قوله هذا وزاد عليه"وقد رأى الصحابة جميعًا أن يستخلفوا أبا بكر رضي الله عنه" [4] .

ويدل على أن المراد (المسلمون) إجماع الصحابة واتفاقهم ما دل عليه السياق ، فاللام في (المسلمون) للعهد لا للاستغراق . ولذلك جعل الحاكم هذه الرواية في باب فضائل أبي بكر . وقد اعتمد الصحابة عدة أمور في تقديم أبي بكر: منها أنه أُمر أن يؤم الناس بالصلاة بعد النبي وأن امرأة أتته تسأله قائلة: إن لم أَجدك قال"ائتِ أبا بكر"فكان لرأيهم مستند من السنة .

(1) قال السيوطي في الأشباه والنظائر الفقهية (89) قال الحافظ العلائي"لم أجده مرفوعًا في شيء من كتب الحديث أصلًا ، ولا بسند ضعيف بعد طول البحث وكثرة الكشف والسؤال ، وإنما هو من قول عبد الله بن مسعود موقوفًا عليه"وقال ابن الجوزي في العلل المتناهية في الأحاديث الواهية (1/280) "تفرد به النخعي: قال أحمد: كان يضع الحديث"وقال الزيلعي في نصب الراية (4/133) "غريب مرفوعًا ولم أجده إلا موقوفًا على ابن مسعود".

(2) رواه أحمد 1/139 والطبراني والدارمي 69:1 بإسناد جيد واللالكائي في اعتقاد أهل السنة 1:.9 وقال الهيثمي في المجمع 1/181 [ رجاله رجال الصحيح ] 1/181 .

(3) رواه مسلم (654) في المساجد .

(4) المستدرك للحاكم 3/78 وصححه ووافقه الذهبي .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت