إن هذا الغلو في التحذير من خطر التشبيه بدعة إنما هو تحذير من وصف الله بما وصف به نفسه ، ويؤول إلى مفاسد عديدة:
ا) أن الله لم يعتن بالتنزيه ولم يعطه حقه.
2)أن علم الكلام هو الذي كان أكثر حرصًا على تنزيه الله .
3)أن الله استدرج العباد إلى الكفر حيث أطلق ألفاظا يراها الأشاعرة من أصول الكفر كالاعتقاد أنه في السماء وأنه ينزل منها في الثلث الأخير من الليل . ففصل التشبيه وأجمل التنزيه أو ضرب التنزيه بالتشبيه فناقض تفصيلُهُ إجمالَه ! بل فصّل التحذير من شرك الدعاء ولم يفصل من شرك التشبيه. وقال لعبادة { قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ } فذكر تحريم دعاء غيره والزنا وأكل اليتيم وقتل النفس بتكرار ولم يتل عليهم شيئًا مما يتلوه غلاة التنزيه ليل نهار ويعتبرونه تشبيها !
وأوحى الله بنصوص الصفات كالاستواء والنزول والمجيء واليدين وأنه في السماء وأن الكلم الطيب يصعد إليه والملائكة تعرج إليه وأنه رفع عيسى إليه: وأن قلوب العباد بين إصبعين من أصابعه وأن له عينين. فرق نبينا - صلى الله عليه وسلم - بينه وبين الأعور الدجال وأنه يضحك ويعجب ، واختبر إيمان الجارية فسألها"أين الله"فقالت: في السماء فشهد لها بالإيمان ، ووصف ربه بأنه ينزل إلى السماء الدنيا وأنه يكشف يوم القيامة عن ساقه فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة ، وأنه يضع رجله أو قدمه في النار فتقول قط قط ، وأن الله يدنو من أحدنا حتى يضع كنفه عليه (بخاري 7514) .
وبعد هذا كله لا يرِدُ نص واحد في التحذير من الوقوع في خطر التشبيه على طريقة المتكلمين اللهم إلا آيات التنزيه العامة في كتاب الله .
هل أعطت الشريعة التنزيه حقه ؟!
ليقف المؤول مع نفسه لحظة ثم ليتأمل: هل أهملت الشريعة هذا الموضوع ولم تعطه حقه من التحذير على النحو الذي أعطاه إياه أهل الكلام: فأطلقت وصف الله بالصفات الكثيرة ثم تركت الناس يضلون بالتشبيه ؟ أم أنها ما تركت بيان هذا الأمر إلا لعلم الله أنه ما من خطر لنصوص الصفات على البشر في الوقوع بالتشبيه ، لأن التنزيه مستقر في الفطرة .
وهذا التهويل من شبح التشبيه منهج بدأه أضل الناس من قبل وهم الجهمية وكان يجب أن يكون هذا كافيًا في العبرة ، ثم استلمه منهم المعتزلة ثم تلقاه من بعدهم الأشاعرة: حتى صار حديثهم عن خطر التشبيه أكثر بكثير من الكلام على التوحيد الذي جاء به الأنبياء { اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ } .
فبماذا تفسر قول النبي - صلى الله عليه وسلم - الله عليه وسلم الله عليه وسلم"يطوي الله عز وجل السموات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى ثم يقول أنا الملك: أين الجبارون أين المتكبرون ؟"وفي رواية"يأخذ الله عز وجل سمواته وأرضيه بيديه ويقول: أنا الله. ويقبض أصابعه ويبسطها ويقول: أنا الملك، قال ابن عمر: حتى نظرت إلى المنبر يتحرك من أسفل شيء منه ، حتى إني أقول: أساقط هو برسول الله - صلى الله عليه وسلم -" [1]
وكذلك تلا - صلى الله عليه وسلم - قوله تعالى { إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا } قال أبو هريرة"رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يضع إبهامه على أذنه والتي تليها على عينه . يقرؤها ويضع إصبعيه . قال المقرىء: يعني أن الله سميع بصير . قال أبو داود: وهذا رد على الجهمية" [2] .
(1) - رواه مسلم رقم ( 2788 ) .
(2) - رواه أبو داود في كتاب السنة باب في الجهمية 4 / 233 رقم ( 4728 ) وصححه الحاكم 1 / 24 وقال الذهبي"على شرط مسلم"وحسن إسناده الحافظ ابن حجر 13 / 373 .