وفي رواية عن عقبة بن عامر قال"سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول على المنبر:"إن ربنا سميع بصير"وأشار إلى عينه" [1] .
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال"جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - من أهل الكتاب فقال: يا أبا القاسم: إن الله يمسك السماوات على إصبع والآرضين على إصبع والشجر والثرى على إصبع والخلائق على إصبع ثم يقول ؟ أنا الملك أنا الملك . فرأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ضحك حتى بدت نواجزه [ تعجبًا وتصديقًا ] ، ثم قرأ { مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ } . وحاشا لنبينا أن يُضحكه كفر ثم يقره ولا ينكره ."
وعن ابن عباس في قوله تعالى { وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا } "أي بعين الله تبارك وتعالى". وفي رواية أنه أشار بيده إلى عينه [2] .
وهاهي الجارية تقول كلمة تقشعر منها أبدان نفاة العلو ، فقد سألها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أين الله ؟ قالت: في السماء ، فقال لصاحبها: اعتقها فإنها مؤمنة .
ولا زال الأشاعرة ينهون أن يقول أحد ما قاله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيقول القشيري"ولا يقال له: أين الله" [3] .
وهنا نسأل: لماذا اختار الرسول - صلى الله عليه وسلم - إثباتها ولم يختبر تنزيهها ؟
هل يقر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على باطل ؟ وهل حذر الجارية من اعتقاد أن الله في السماء ؟ أم هل حذر من ذلك في مجلس آخر؟ كلا لم يتعقب من ذلك شيئًا ؟ وهل تجدون من بين المعطلة من يقر الجارية على هذه اللفظة وليحمل في نفسه من المعاني ما شاء ؟ لا والله لن يفعل .
ومن أكثر ابتعادًا وحذرًا عن نصوص الألفاظ الموهمة للتشبيه ؟ رسول الله أم أنتم ؟ لم يبق إلا أن يقولوا: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قصّر في التبليغ وكان بعدم تعقيبه على قول الجارية أقل حرصًا منكم في التحذير من التشبيه ، بل لم يُعر الأمر أي اهتمام على النحو الذي نراه من الأشاعرة ومن سبقهم ، بل شهد بإيمان من تكلمت بألفاظ التشبيه !
? ألعلك أيها المؤول تخفي في نفسك إساءة ظن بالشريعة وتضمر العتب عليها أنها تكلمت بهذه الصفات بطريقة مفصلة توقع في التشبيه وتتعارض مع طريقة أهل الكلام ثم هي لا تفصل التنزيه وتترك الناس يضلون من غير أن تبين ولا تحذر التحذير الذي صار غاية ما تتحدث عنه أنت ، فبين علماء الكلام- بزعمهم - ما سكت الله ورسوله وصحابته عنه ، بالتأويلات المستقبحة المتكلفة المظنونة التي لا سلف لك فيها ، مع أنك تعلم أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة .
? هل تركت الشريعة البيان للمتكلمين ليحذّروا الناس أن يَضلّوا بنصوص القرآن والسنة ؟ هل فوضت إليهم أن يقدّموا لهم تأويلات مظنونة لا سلف لهم فيها لتكون بديلا عن هذه النصوص: فاليد كناية عن القدرة والنعمة ، والاستواء كناية عن الاستيلاء ، والنزول كناية عن نزول الرحمة ، والضحك والمحبة والرضا كناية عن الإثابة ، والكراهية والغضب كناية عن العقوبة ، والسماء مستودع ومهبط الرحمات وقبلة الداعين ، أما أن يعتقد أن التوجه إليها لأن الله في السماء كما قال هو { أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء } فهذا كفر!
? ألعلك تؤمن حقًا أن الله ما فرّط في الكتاب من شيء ، أم أن لسان حالك يؤكد أن التفريط حاصل ويخالجك شكٌ لا تستطيع البوح به ، وتتمنى لو أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يصرح بمثل هذا الكلام الذي ترك مشكلة عظيمة في نفسك ، وأنه لم يشهد للجارية بالإيمان ، ولم يضحك تصديقًا لليهودي الذي أخبره أن الله يضع السموات على إصبع
(1) - ذكر هذه الرواية الحافظ ابن حجر في الفتح 13/373 نقلًا عن البيهقي في الأسماء والصفات وقال"سنده حسن".
(2) - الأسماء والصفات 396 وشرح أصول السنة 3 / 411 .
(3) - الرسالة القشيرية ص ه .