وكان الإمام أحمد مع ابنه عبد الله فمرّا على قاصّ يقص حديث النزول فيقول ( إذا كان ليلة النصف من شعبان ينزل الله إلى سماء الدنيا بلا زوال ولا انتقال ولا تغير حال . قال عبد الله: فارتعد أبي واصفر لونه ولزم يدي وأمسكته حتى سكن ثم قال: قف بنا على هذا المتخرص ، فلما حاذاه قال: يا هذا ؛ رسول الله أغير على ربه منك ، قل كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - [1] .
ولما سأل رجل مالكًا (الرحمن على العرش استوى: كيف استوى؟ قال الراوي: فما وجدته غضب من شيء كغضبه من مقالته ، حتى علاه الرحضاء(أي العرق) فجعل الناس ينتظرون منه الإجابة . فلما سُرّي عنه قال: الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة وإني لأخاف أن تكون ضالًا: أخرجوه"."
إن المتكلمين مع انحراف بأنه لا يمكنه الجزم بأن تأويلاتهم مرادة لله وإنما محتملة كما نص عليه الحبشي [2] : وهذا يتعارض مع قواعدهم التي اشترطوها في العقائد أن الاحتمالات ممنوعة في مسائل العقائد ، فهم مع ذلك يصرّون على وجوب الأخذ بالتأويل ، حتى صاروا ينفون عن الله ما أثبته لنفسه ، ويثبتون له ما لا يليق به .
وقد أكسبهم هذا العبث في صفات الله قلة ورع وقسوة في القلب .
التنبيه على احتجاجهم في التأويل بمن تابوا منه
والأشاعرة يستدلون على ذلك بأقوال أئمة انتهى حالهم قبل الموت بالرجوع عن التأويل والتحذير منه كالجويني والغزالي والرازي وغيرهم ، وهذه قلة أمانة وتدليس، فانه لا يحق لمن علم رجوع هؤلاء عن التأويل أن يأخذ من أقوالهم التي رجعوا عنها حجة .
(1) - أورد المقدسي هذه القصة في كتابه الاقتصاد في الاعتقاد ص 110.
(2) - الدليل القويم 47 وانظر التوحيد للماتريدي 74 ورسائل في بيان عقائد أهل السنة لمحمد بن درويش الحوت 35