لقد جهلوا أن الاختلاف على شرعية التأويل خلاف"أشعري أشعري ، أشعري ماتريدي". بل هم مختلفون في كون آيات الصفات من المتشابه كما قال أبو منصور البغدادي"واختلف أصحابنا في هذا فمنهم من قال إن آية الاستواء من المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله" [1] .
فكل تأويل يتأوله المؤولة من الأشاعرة منقوض بتفويض إخوانهم من الأشاعرة المفوضة ، وهو اختلاف جوهري في العقيدة .
لو كان تأويلكم بعلم لما صار منكم مفوضة
فأنتم يا مؤولة أو مفوضة: على هدى أو في ضلال مبين . فلو كانت تأويلاتكم مصداق دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - لابن عباس"اللهم علمه التأويل"لما تخلى عنكم مفوضة الأشاعرة ، وإنما خالفوكم لعلمهم أنكم تخوضون في أسماء الله وصفاته بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير .
وقد تقدم تفضيل البيهقي التفويض على التأويل واعتبره أسلم . فلو كان التأويل هو عين تأويل ابن عباس لما فضل التفويض عليه. وإنما تأويلكم على غير التأويل .
ونقل المرتضى الزبيدي قول بعض أهل العلم"لم يُنقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا عن أحد من أصحابه من طريق صحيح التصريح بوجوب التأويل ولا المنع من ذكره [2] ، ومن المحال أن يأمر الله نبيه بتبليغ ما أنزل إليه من ربه وينزل عليه { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ } ثم يترك هذا الباب ..."قال"فمن أوجب خلاف ذلك بعدهم فقد خالف سبيلهم" [3] .
ويعارض الحافظ ابن حجر أيضًا وجوب التأويل وينفى نفيًا قاطعًا وجود أي دليل على هذا الوجوب ، بل الدليل ثابت على انكفاء السلف عن التأويل واحتج بتوبة الجويني ورجوعه عن التأويل [4] .
أضاف: فلو كان تأويل هذه الظواهر حتمًا لكان اهتمامهم به فوق اهتمامهم بفروع الشريعة ، وإذا انصرم عصر الصحابة والتابعين على الإضراب عن التأويل: كان ذلك هو الوجه المتبع"انتهى ."
واستحسن الدهلوي هذا الكلام من ابن حجر [5] .
فهذا يبطل قول الكذاب في مجلة منار التحبش"فالاشعرية معتقدهم معتقد السلف" [6] .
-وإذا كان التأويل واجبًا فلماذا جاز تخيير المتمذهب بمذهب الأشاعرة بين التأويل أو التفويض ؟ وهل يشمل قسمهم المفوضة أم أن التفويض جائز؟ إن جواز التفويض عندهم مناقض لوجوب التأويل .
وكيف يكون التأويل واجبًا ثم يتركه السلف وتابعوهم ثلاثة قرون ثم يوكل بيان التأويل لعصابة من المتكلمين أتباع فلاسفة اليونان ؟!
فإن قلتم: العقل يقضي بضرورة التأويل:
قيل لكم: قد كانت للسلف عقول ولم تقضِ عقولهم بضرورة التأويل ، إلا أن تكون عقولهم قاصرة في نظركم .
فإن قلتم: قد علم السلف تأويل الصفات بالسليقة: قيل لكم: لقد فسر السلف آيات الصفات بخلاف تأويلاتكم . وكانوا يفسرونها لمن بعدهم. لأن هذا الدين ليس قاصرًا على جيل الصحابة .
(1) - أصول الدين112 .
(2) - أي المنع من وصف الله بما وصف به نفسه أو التحرج من ذلك .
(3) - إتحاف السادة المتقين 2 / 112 .
(4) - وتوبة الجويني ثابتة عند الزبيدي (إتحاف السادة المتقين 2 / 109 ) .
(5) - فتح الباري 13 / 407 ( حجة الله البالغة 63 ) .
(6) - منار الهدى 41/ 44.