فهرس الكتاب

الصفحة 282 من 1116

ولذلك كانت هذه الدعوى اتهامًا للشارع بأنه اهتم بجيل واحد من الأمة ولم يهتم بالبيان الشافي لمن يأتي بعدهم ممن لا يفقهون معاني النصوص.

? وكذلك يدعي الباطني والاعتزالي أن نصوص عذاب القبر ورؤية الله ، عرف السلف معناها بالسليقة أنها تعني انتظار الثواب ورؤية الثواب . وأنهم اضطروا إلى تأويل هذه النصوص لما جهل العرب لغتهم .

توضيح شبهة

وقبل أن نناقش مسألة التأويل لا بد أن نوضح هذه الشبهة:

أولًا: إذا كان الأمر كما يقول الحبشي فلماذا وصف الله نفسه بصفات مشتركة من حيث الألفاظ لا من حيث الحقائق ؟

ثانيًا: إن الاشتراك في الصفة بين اثنين لا يعني اشتراكهما في حقيقة الصفة المشتركة بينهما ، فانه ما من موجودين إلا وبينهما قدر مشترك وقدر مميز لا بد منه للإفهام والتفهيم ، وإلا لانسدّ باب الإفادة والاستفادة المقصودة في تفاهم الكلام وتعقل معانيه .

وإنما يقع الاختلاف عند إضافة الصفة إلى كل منهما ، وليس بين صفات الله وصفات خلقه إلا موافقة اللفظ . فالإنسان حي ، والنبات حي ، فهذا اشتراكٌ في الصفة ، لكنه لا يمكن أن يؤدي إلى تشبيه النبات بالإنسان .

"وهذه الروح موجودة فينا وموصوفة بصفات الحياة والقدرة والصعود والنزول ومع ذلك فعقولنا قاصرة عن تكييفها وتحديدها لأنهم لم يشاهدوا لها نظيرًا ، والشيء إنما يدرك حقيقته إما بمشاهدته أو بمشاهدة نظيره ، فإذا كانت الروح متصفة بهذه الصفات مع عدم مماثلتها لما يشاهد من المخلوقات ، فالخالق أولى بمباينته لمخلوقاته مع اتصافه بما يستحقه من أسمائه وصفاته ، وأهل العقول أعجز عن أن يحدوه أو يكيفوه منهم عن أن يحدوا الروح أو يكيفوها" [1] .

وهذه الجنة فيها فواكه وعنب وأنهار من لبن وعسل... ومع ذلك فما فيها وإن اشترك مع ما في الدنيا في الاسم فإن التماثل في الحقيقة غير واقع ، قال ابن عباس"ليس في الجنة شيء يشبه ما في الدنيا إلا الأسماء" [2] . فوجود التشابه في الأسماء لم يحصل به وجود التماثل .

أسباب التشابه في الأسماء

وقد بين ابن تيميه السبب فقال بأن"الإخبار عن الغائب لا يُفهَم إن لم يُعبَّرْ عنه بالأسماء المعلومة معانيها في الشاهد ، ويُعلم بها ما في الغائب بواسطة العلم بما في الشاهد ، مع العلم بالفارق المميز، وأن ما أخبر الله به من الغيب أعظم مما يعلم في الشاهد" [3] .

"فقرائن الكلام من السياق والإضافة والتقييد والتخصيص تبين المراد وتنفي التشبيه"إذ ما من شيئين في الوجود إلا وبينهما قدر مشترك ، وقدر فارق ، فمن نفى القدر المشترك فقد عطل ، ومن نفى الفارق فقد مثَّل، ومن أثبتها فقد سلِم من التعطيل والتمثيل ، حيث أثبت بلا تمثيل: ونزه بلا تعطيل"."

"فما سمى به الرب نفسه وسمى به مخلوقاته كالحي والعليم والقدير. فنحن نعقل بقلوبنا معاني هذه الأسماء في حق المخلوق ، ونعقل بين المعنيين قدرًا مشتركًا ، لكن هذا المعنى لا يوجد في الخارج"

(1) - الرسالة التدمرية 50-57 وضمن الفتاوى 3 / 30 .

(2) - ذكره المنذري 4 / 278 بسند جيد ( السلسلة الصحيحة رقم 2188 ) .

(3) - الرسالة التدمرية 96.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت