فهرس الكتاب

الصفحة 283 من 1116

مشتركًا ، إذ المعنى المشترك الكلي لا يوجد مشتركًا إلا في الأذهان ولا يوجد في الخارج إلا معينًا مختصًا فيثبت في كل منهما" [1] ."

وقد وصف الله نفسه بأنه رؤوف رحيم فقال { إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ } ووصف رسوله بأنه { بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ } وليست رأفة النبي - صلى الله عليه وسلم - ورحمته كرأفة الله ورحمته. ووصف نفسه بأنه حفيظ عليم ، وقال عن يوسف { اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ } ولا يفهم من ذلك التماثل بين حقيقة حفظ الله وعلمه ، وبين حفظ يوسف وعلمه. ومن تنبه إلى هذه الحقيقة زال عنه وسواس التشبيه وبرئ من دنس التمثيل ومن جراءة التعطيل .

ثالثًا: أن نفى التشبيه من كل وجه هو التعطيل والجحود ، كما أن إثباته مطلقًا هو التسوية والانداد برب العالمين، فإن لفظ التشبيه فيه عموم وخصوص ضل فيه أكثر الناس. لأن المخلوقات وان كان فيها شبه من بعض الوجوه مثل الوجود والحياة والعلم والقدرة والعلم والقدرة فهي ليست متكافئة متماثلة .

قال السيوطي في الحاوي"المماثلة تستلزم المشابهة وزيادة ، والمشابهة لا تستلزم المماثلة ، فلا يلزم أن يكون شبه الشيء مماثلا له . . . فالمماثلة تقتضي المساواة من كل وجه ، والمشابهة تقتضي الاشتراك في أكثر الوجوه لا كلها" [2] .

وقال العلامة الحنفي ملا علي قاري"المثلية تقتضي المساواة في كل الصفات ، والتشبيه لا يقتضيه ، بل يكفي لإطلاقه المساواة في بعضه" (الفقه الأكبر 114) .

وقد قرر الأشاعرة أنفسهم أن وجود بعض الاشتراك لا يوجب المماثلة ، فكان يلزم ذلك في الصفات التي قد نفوها برعم المشاركة والمشابهة . قال الرازي"فإن قيل: المشاركة في صفات الكمال تقتضي المشاركة في الالهية ؟ قلنا: المشاركة في بعض اللوازم البعيدة مع حصول المخالفة في الأمور الكثيرة لا يقتضي المساواة في الإلهية ، ولهذا المعنى قال تعالى { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } [3] فظهر من هذا الاعتراف تناقضهم في التفريق بين المتماثلات ."

رابعًا: أنه لو كان لا يجوز وصف البشر بما يوصف الله به على حد زعم الحبشي لصار كل من وصف مخلوقًا بأنه رحيم أو ودود أو لطيف أو عليم لصار كافرًا لأنه وصف البشر بما وصف الله به نفسه. وهذه عقيدة الجهم رأس الجهمية الذي كان يقول"لا يجوز أن يوصف الباري تعالى بصفة يوصف بها خلقه لأن ذلك يقتضي تشبيهًا". قال الذهبي"كان ينكر الصفات وينزه الباري عنها بزعمه" [4] .

خامسًا: أن"مذهب السلف بين مذهبين وهدىً بين ضلالتين: إثبات الصفات ونفى مماثلة المخلوقات ، فقوله تعالى { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } ردٌ على أهل النفى والتعطيل ، فالممثل أعشى ، والمعطل أعمى: المشبّه يعبد صنمًا ، والمعطلّ يعبد عدمًا" [5] .

قال ابن مندة"وإنما ينفي التشبيه والمثيل: النيةُ والعلمُ بمباينة الصفات والمعاني ، والفرق بين الخالق والمخلوق في جميع الأشياء فيما يؤدي الى التمثيل والتشبيه عند أهل الجهل والزيغ . . . وأن"

(1) - شرح الطحاوية لابن أبي العز الحنفي 104.

(2) - الحاوي للفتاوي 2 / 273 .

(3) - أساس التقديس 115.

(4) - الفصل في الملل والنحل 1 / 109 سير أعلام النبلاء 6 / 26 .

(5) - مجموع الفتاوى 5 / 196 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت