أسامي الخلق وصفاتهم وافقتها في الاسم وباينتها في جميع المعانى لحدوث خلقهم وفنائهم ، وأزلية الخالق وبقائه ، ومنع استدراك كيفيتها { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } [1] .
الخلاف حول مسألة التأويل
الخلاف حول التأويل يتطلب منا تحديد معنى كلمة التأويل:
فقد ورد التأويل في القرآن على معنيين اثنين لا ثالث لهما (التفسير والمرجع أو المصير) . قال ابن جرير (وأما معنى التأويل في كلام العرب فإنه التفسير والمرجع والمصير" [2] :"
-التأويل بمعنى التفسير. قال ابن الجوزي"وهذا قول جمهور المفسرين المتقدمين" [3] . قال تعالى { وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلاَمِ بِعَالِمِينَ } [ يوسف 44 ] ، ونجد بن جرير الطبري [4] يقول عند كل آية"وتأويل الآية عندنا كذا"أي تفسيرها.
-التأويل بمعنى الرجوع والأوَل والمصير . قال تعالى { هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ } [ الأعراف 53 ] ، أي تحققُُ ما أخبر الله عنه. كما في حديث عائشة"كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يُكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي. يتأول القرآن"قال الحافظ ابن حجر"أي يفعل ما أمر به فيه" [5] . أي تحقيق قوله تعالى { فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ } .
قال ابن شهاب"وكانوا يتأولون قول الله تعالى { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ } [ الأنفال: 72 ] ، قال الحافظ ابن حجر أي كانوا يفسرون قوله تعالى { بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ } بولاية الميراث: أي يتولى بعضهم بعضا في الميراث وغيره [6] ."
قال يعقوب: أوَلَ الأمر إلى أهله أي أرجعه اليهم [7] .
فالوقوف عند قوله تعالى { وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ } يفيد فهم العلماء لمعنى اللفظ كما قال مجاهد"أنا من الراسخين في العلم الذين يعلمون تأويله"، وروى ابن قتيبة بسنده عنه قال"تعلمونه وتقولون آمنا به" [8] . مما يدل على ان الإيمان به لا يعني الجهل به . ثم إن الله ميزهم عن باقي المؤمنين بالرسوخ في العلم. وجهل ما وصف الله به نفسه ليس علما. ولو كان المراد مجرد الإيمان به لقال: والمؤمنون يقولون آمنا به .
وأما الوقوف عند { وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ } فتفيد عدم معرفة العلماء لحقيقته وكيفيته وإن لم يجهلوا المعنى . وكلا الوقوفين ثابت عن السلف ولا تناقض بينهما . وقد اختار المعتزلة الوقوف على الراسخين في العلم وحكى البغدادي موافقة الأشعري لهم بينما اختار البغدادى الوقف على (إِلاَّ اللّهُ) [9] .
-أما التأويل بمعنى صرف اللفظ عن المعنى الراجح إلى معنى آخر مرجوح لدليل يقترن به [10] . فهذا المعنى ليس معنى شرعيًا ولم يُعرف عن أحد من السلف ، وإنما اصطلح على هذا المعنى كثيرون من علماء الكلام كالمعتزلة والأشاعرة وأفسحوا له مجالًا في القواميس اللغوية المتأخرة التي دُوِّنَتْ بعد القرون الثلاثة الأولى ، بينما تجاهلوا أن كلمة التأويل وردت في القرآن وأنه يجب الالتزام بها على المعنى الذي استعمله القرآن لا على ما اصطلح عليه أهل الفلسفة والكلام .
ولقد عهدنا أهل البدع يتمسكون بالمعنى اللغوي ويتهربون من الاصطلاح القرآني .
وقد أدت اصطلاحات أهل الكلام إلى تخبط عجيب في فهم مدلول الألفاظ والعبارات .
وإنما يرجح المتكلمون الوقوف حسب القراءة الأولى ليجيزوا لأنفسهم التأويل باصطلاحهم المتأخر ، فيأتون بتأويلات لا سلف لها أحرى أن تسمى تحريفات .
وبعد هذه المخالفة لمعنى لفظة التأويل في القرآن يأتي الأحباش فيستخدمون اللفظ القرآني ، ولكن يصطلحون عليه باصطلاح يختلف حتى مع التعريف المشهور عند الأشاعرة فيقولون بأن التأويل معناه"صرف اللفظ عن معناه الظاهر إلي معنى يحتمله إذا كان المحتمل الذي يراه موافقًا للكتاب والسنة". ثم يأتون بتفريق عجيب بين التأويل والتفسير فيقولون بأن التفسير يتوقف على النقل المسموع وأن التأويل يتوقف على الفهم الصحيح [11] .
وأما السلف فلم يكونوا يفسرون بالاحتمال فمن نسب هذا إلى السلف فقد طعن فيهم.
والسلف لا يتفقون معكم في تفسير القرآن بالمحتمل الذي لا يمكن القطع بمراد الله منه ، بل كانوا يفسرونه بالمأثور ويخافون من التقول على الله ما لا يعلمون، بل يرون هذا مجازفة في الدين وقولًا على الله بلا علم ، ولأن الاحتمال ليس علمًا. وإنما هو إلى الخرص والظن أقرب { إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ } .
وقد نهى الشافعي عن هذا فقال"القرآن عربي"، والأحكام فيه على ظاهرها وعمومها ، ليس لأحد أن يحيل منها ظاهرًا إلى باطن إلا بدلالة من كتاب الله تعالى فإن لم تكن فسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ... ولو جاز في الحديث أن يحال شيء منه عن ظاهره إلى معنى باطن يحتمله: كان أكثر الحديث يحتمل عددًا من المعاني ولا يكون لأحد ذهب إلى معنى منها حجة على أحد ذهب إلى معنى آخر" [12] ."
ومن أسباب ذم السلف للجدل المستورد وأهله أن أرباب علم الكلام يأخذون مصطلحات شرعية ثم يحددون لها معان خاصة بهم يكون لها أكبر الأثر في التشويش في الدين . فإنه ما من آية إلا قال فيها الطبري"وتأويل الآية ..."وهو يعني بذلك التفسير لا تحريف الألفاظ بالمعاني المستبعدة كما يفعله من حرمه الله تأويل السلف الذي هو التفسير .
فليس لكم أن تستدلوا بألفاظ القرآن حتى توافقوا المعنى القرآني الذي كان يفهمه النبي وأصحابه ، ولغة العرب التي أنزل القرآن بها والتي كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يخاطب بها أمته ، بل لا بد من الرجوع إلى الاستعمالات الواردة لهذا اللفظ وقت نزول الوحي ليس لكم أن تحملوا ألفاظ القرآن على معان خاصة بينكم وإلا كان ذلك تحكمًا وتحريفًا . فإن الواحد عندكم: ما لا ينقسم، والتأويل: هو صرف اللفظ إلى معنى مستبعد ، والتوسل عندكم بمعنى دعاء غير الله .
(1) - الحجة في بيان المحجة 1 / 94 .
(2) - تفسير الطبري المجلد الثالث ج 3 ص 123.
(3) - زاد المسير لابن الجوزي 1 / 4 .
(4) - الأحباش تارة يذمون الطبري وتارة يمدحونه ويصفونه بالحافظ المجتهد وأنه كان له مذهبًا متبوعًا (أنظر مجلتهم منار الهدى 14 / 22 و 22 / 62 ) وصفه السبكي بالإمام الجليل المجتهد المطلق أحد أئمة الدنيا علمًا ودينًا. قال السيوطي: هو عندي المبعوث على رأس المائة الثالثة (صون المنطق والكلام للسيوطي 87-88) .
(5) - فتح الباري 2 / 299 .
(6) - فتح الباري 3 / 452 .
(7) - معجم مقاييس اللغة 159:1.
(8) - مشكل القرآن 100.
(9) - أصول الدين 223 .
(10) - كما زعم الأحباش في مجلتهم منار الهدى 1/15 و 10/28 وانظر أساس التقديس 235 الإحكام للآمدي 1/53
(11) مجلتهم منار"الهدى"1/15.
(12) اختلاف الحديث للشافعي المطبوع بهامش كتابه الأم 7/27-28.