معنى"اللهم علمه التأويل"
هم يحتجون بدعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - لابن عباس"اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل"ويقولون"حسبنا بهذا دليلًا على مشروعية التأويل" [1] . وهو تلبيس ومكر وتحريف الألفاظ ، ونرد على ذلك فنقول:
لا بد أن توافقونا أن الله علم رسوله - صلى الله عليه وسلم - التأويل ولكنه لم يعلم أمته شيئًا من تأويلاتكم الباطلة فإما أن يكون كتم التأويل الذي تقصروا في تبليغه وإما أن يكون التأويل شيئًا آخر .
ثم إن عائشة ذكرت أن رسول الله كان"يتأول القرآن" [2] فما معنى تأويل الرسول - صلى الله عليه وسلم - للقرآن عندكم ؟
إن كان تأويل الاستواء واليد والنزول عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالاستيلاء والقدرة ونزول الأمر فلماذا لم يتأوله مع أن الله علمه التأويل ؟
بهذا ينكشف تدليسكم وتمويهكم على العامة فإنكم تتمسكون بألفاظ شرعية فتفرغونها من معانيها الشرعية وتستبدلونها بمعان خاصة بكم لا يتنبه لها الناس. فالتأويل عند الرسول وابن عباس: هو التفسير والحقيقة ، وأما عندكم فهو صرف المعنى المتبادر للفظ إلى معان أخرى محتملة لا يدل عليها اللفظ به تمكنتم من تحريف كلام الله ، فالتأويل بهذا المعنى ما عرفه السلف لأن تأويلهم كان عن علم لا عن احتمال وهذا فرق عظيم يخفى على المدافعين عن السنة .
فالنبي - صلى الله عليه وسلم - دعا لابن عباس أن يعلمه الله التأويل لا التحريف ، والذي عندكم تحريف لا علاقة له بدعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - لابن عباس .
ا) أنكم أخذتم لفظ التأويل ونبذتم معناه القرآني المقصور على التفسير والتحقيق أو المصير وأخذتم بالمعنى الفلسفي الذي اصطلح عليه علماء الكلام والذي هو صرف اللفظ عن معناه المتبادر إلى معنى أخر محتمل ، فصار معنى التأويل عندكم مخالف للمعنى الذي في القرآن وفي فهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - وابن عباس.
ولا أظن من يستدل بهذا الدعاء إلا وهو يعلم أنه يلبس الحق بالباطل ويكذب على العوام ، وإلا فهو يعرف أنه يحمل في نفسه معنى آخر للتأويل مخالف لمفهوم التأويل في القرآن والسنة وفهم سلف الأمة ، فيقال له كما قال تعالى لأهل الكتاب { يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ } .
2)فلو كان تأويلكم موافقًا لتأويل ابن عباس لسبقكم ابن عباس إلى تفسير الاستواء بالاستيلاء واليد بالقدرة والنزول بنزول الرحمة والرجل برجل من جراد والضحك بالثواب لكن المروي عنه عكس ذلك فقد ثبت عنه من التفسير ما يخالف تأويلاتكم ، ولو ثبت عنه شيء لتمسكتم به كتمسككم بما لم يثبت عنه من تفسير الساق بالشدة كما سيأتي تخريجه بالتفصيل . وإذا لم يثبت عن ابن عباس شيء من هذه التأويلات فإما أن نقول: إن الله لم يستجب لنبيه وعلّمكم التأويل الذي لم يعلّمه ابن عباس ، أو نقول: تأويلكم هو في الحقيقة تحريف .
فقد قال في تفسير قوله تعالى { وَجَاء رَبُّكَ } "فيجيء الله فيهم والأمم جثيّ" [3] .
وفى تفسير { ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء } قال: أي ارتفع إلى السماء [4] .
(1) مجلة منار 1لهدى الحبشية 28 / 28-29 .
(2) أي يحقق قوله تعالى { فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ } .
(3) تفسير الطبري ج 30 ص 118-.12 .
(4) تفسير البغوي 1/78 البقرة آية رقم 29 .