فهرس الكتاب
وقد استخفوا بالنصوص وسموها ظواهر خوفًا على رقابهم من السيف فتهيبوا أن يقولوا هذا النص كفر: فقالوا: ظاهره يوهم الكفر فلا يؤخذ على ظاهره .
ولو كان هناك وهم يمكن أن يقع لوقع الناس في وهم من قوله تعالى { فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ } وقوله عن عيسى { أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ } ومع ذلك يعلم الله أنها لن توهم الكفر ، فكذلك أنزل الله آيات يعرّفنا فيها بصفاته وعلم قبل إنزالها أن البشر لن يضلوا بها ولن يفهموا منها مساواة الخلق بخالقهم ، بل علم قبل إنزالها أنه سيضل بها أهل الأهواء ، فأوحى بها ولم يبالي بوساوسهم . فإنه { يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ } .
? وهذا سوء ظن في آيات الله ، وجناية على النصوص . ويلزم منه القدح في علم الله وقدرته وبيانه وفي نصحه . فإما أن يكون الله عالمًا أن الحق والتنزيه إنما هو في تأويلات المتكلمين أو لا . فإن كان عالمًا قدحتم في نصحه ، وإن كان غير عالم كان ذلك قدحًا في قدرته .
? وكأن الله يخاطب عباده بألفاظ ظاهرها الكفر ، ثم يمرُّ عصر النبوة والخلافات الراشدة والتابعين فلا يحذّر واحد منهم من هذا الكفر ثم يحتاج الإسلام إلى أهل الكلام الأحسن بيانًا ، والأدق وصفًا من نصوص القرآن والسنة في اجتناب ألفاظ الكفر . الأعلم من الله بما يليق به ، فيستخرجون درر التأويلات ويجعلون آيات القرآن مصدر الضلالة والتشبيه ، والهدى والبيان في تأويلاتهم ، وإثبات الصفات تشبيهًا ، ونفيها تنزيهًا .
وكأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أهمل تحذير الأمة مما ظاهره الكفر وكتم ما كان يجب تبيينه فقصر هو ، وقصَّر خلفاؤه الراشدون حتى جاء أهل الكلام فبلّغوا أحسن التبليغ وسدّوا ثغرة بقيت مفتوحة بعد موته - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه !
? أنه إذا كان ظاهره كفرًا فقد صار النصراني واليهودي والمجوسي معذورين في عدم دخول الدين لأنهم يقرءون آيات ظاهرها كفر ولم يتسن لهم مطالعة تأويلاتكم بعد ، فلو سألهم الله يوم القيامة: لماذا لم تؤمنوا بالقرآن لقالوا: لأننا وجدنا في ظاهر قرآنك ما يفيد الكفر فلم نؤمن ، فإننا لما أردنا أن نسلم جاءنا أتباع الحبشي وقالوا لنا: أخذُ آيات الله وأحاديث نبيه التي ظاهرها التشبيه كفر ! فلولا يا رب أرسلت إلينا كتب عبدك الحبشي كالدليل القويم على الصراط المستقيم والنهج السليم حتى تقوم علينا الحجة ، لأن كتابك موهم للضلال فكيف تقيم به الحجة علينا !!
? فصارت الحجة تقوم بكتب الأشعري والماتريدي والإيجي والتفتازاني والنسفى والحبشي ، ولا تقوم بكتاب الله لأن نصوص القرآن والحديث تغلب فيها نصوص التشبيه وتتحدث عن صعود الله ومجيئه ويده وضحكه وأصابعه .
? وعلى قولهم هذا يكون الله قد كلف عباده أن يفهموا من نصوص شرعه خلاف ما يدل عليه اللفظ فيكون كلفهم ما لا يطيقون [1] . وهذا فيه عذاب للعقول وحيرة وفساد واضطراب في القلوب ، وذلك أن يأمرنا الله أن نتلو القرآن ونفهمه ثم يقول ظاهر ما أوحيت به إليكم هو كفر ، ولكن هناك ألغاز ألهمت بها أهل الكلام لا الشافعي ولا مالك ولا أحمد . من لم يجد هذه الألغاز فقد كفر بما أنزلت لأنه آمن بظاهر ما أنزلت .
? ويقضي هذا أن لا نقرّ بشيء من معاني الكتاب والسنة حتى نبحث قبل ذلك بحوثًا طويلة مضنية ، وبعبارة أخرى يصير الأصل التوقف في القرآن ولا يفهم القارئ مما يقرؤه شيئًا وإنما تلاوة مجردة حذرًا من الوقوع في الكفر . نعم: ثبت عن الأحباش أنهم يحذرون الأتْباعَ أن يقرأ أحدهم القرآن وهو منفرد حتى لا يتأثر بظواهره الكفرية . فجعلوا لكلام الله مثل السوء ، ولأهل الجدل المثل الأعلى .
(1) من عقيدة الأشاعرة جواز أن يكلف الله عباده ما لا يطيقون .